أرشيف

“إطلالة على المسرح السطايفي” أول حلقة لتاريخ ظل مفقود

غلاف كتاب إطلالة على المسرح السطايفي
غلاف كتاب إطلالة على المسرح السطايفي

صدر قبل أيام عن دار النور للطباعة بسطيف عمل أدبي وتاريخي مميز  تقفي آثار الفن الرابع بعاصمة الهضاب العليا، لكاتبه الصحفي “جمال غريب” ابن ملحمة الثامن ماي 45، موسوم بـ” إطلالة على المسرح السطايفي”، فعبر أزيد من 100 صفحة سافر غريب في عمق التاريخ وحاول إنقاذ معالم هذا الفن ورواده من الاندثار الذي كان حتميا في ظل الانعدام الشبه تام لما يؤرخ للمسرح السطايفي ورموزه، وقد برر الكاتب هذا الواقع إلى تداعيات الثقافة الشفوية التي لا تزال تطغى على سلوكيات الأفراد في المجتمع حيث قال فيها أنها وبغض النظر عن بعض الإيجابيات من حيث التكرار والتواصل فإنه بالمقابل ينجر عنها عواقب وخيمة تؤدي لا محال إلى تبخر الكثير من المنتوجات الفكرية والثقافية وهذا ما أدى للأسف حسب الكاتب إلى ضياع أجزاء هامة من تراث المدينة والمنطقة.

بعيد عن الكتابة الأكاديمية المقيدة بمنهجية صارمة فضل الصحفي جمال غريب سرد ما توصل إليه من معلومات عبر عناونين جوهرية يمثل كل واحدة منها مرحلة أو علم من أعلام الركح بمدينة عين الفوارة، وانطلق الكاتب في رجوعه إلى جذور المسرح السطايفي إلى ثلاثينيات القرن العشرين أين كشف الكاتب ارتباط هذا الفن بالحركة الكشفية عبر النواة الأولى للكشافة الاسلامية الجزائرية المتمثلة في فوج “الحياة” الذي تأسس سنة 1938 على يد الشهيد حسان بلكيرد ورفقائه وسط جو استعماري صعب حيث ظهرت خلالها أول فرقة اعتمدت اللغة العربية المهذبة على الخشبة بقيادة الأب الروحي لهذا الفن بالمدينة الشهيد حسان بلكيرد حيث كتب روائع مسرحية أشهرها ” مصائب الدهر” وهي من أربعة لوحات أنجزت في شكل عمل تراجيدي يصور المجتمع الجزائري ومعاناته اليومية أيام الاستعمار، كما استوقفت الكاتب ” غريب” محطة في الخمسينيات بطلها الكاتب المسرحي أحمد بن معيزة الذي اشتهر بمسرحية ” المغامرون” و ” انتصار العدل”، وركزت حسب ماجاء في الكتاب الحركة المسرحية في تلك الحقبة على المواضيع الهادفة والمناهضة للفوارق الاجتماعية والأمية وغيرها من الأمراض التي رسمت معالم المجتمع آنذاك بفعل وضع تعمد المستعمر الغاشم إرساءه.

ولمن لا يعلم أنتجت  جمعية العلماء المسلمين في هذه الحقبة أعمال مسرحية ذات طابع تربوي ديني من بينها ” وصية أبي بكر” ” حرب الفرس” و “وصية الشهيد” ، حيث اتخذت من مدرسة الفتح بقلب مدينة سطيف مكان لانتاج أعمالها وترسيخ الهوية الجزائرية المسلمة للشعب الجزائري المضطهد آنذاك،  المؤلف وفي مجهوده ذكر اسم الكاتب المسرحي أحمد بن معيزة ووصفه بالعبقري العملاق رفقة بلكيرد لاستغلالهما الخشبة لايقاذ الوعي الوطني لدى الناس سواء أيام حريتهما أو حتى أثناء تواجدهما في السجن حيث أعاد بلكيرد انتاج أعماله داخل زنزانات العدو وقام بشحن معنويات الجزائريين موجها لهم رسالة ” ما أخذ لالقوة لا يسترجع إلا بالقوة”، إلى أن جاءت الشهادة لحسان ورفقائه قبل الاستقلال حيث راح بلكيرد ضحية التجارب النووية الفرنسية في صحراء رقان في سنة 1957.

بعد الاستقلال عرفت حسب الكاتب الحركة المسرحية بمدينة سطيف تراجعا كبير بلغ درجة العقم في الانتاج والابداع عدى تسجيل بعض المحاولات القليلة والنابعة من الوسط الكشفي والتي انحصرت في اعادة إخراج وعرض المسرحيا القديمة،  وعاد الفضل في الحفاظ على ماء وجه المسرح السطايفي في الفترة بين 1962- 1970  للفنان بوعلام نايت آكلي  المدعو “الروج” الذي أشرف على فرقة مسرحية تابعة لشبيبة جبهة التحرير الوطني  JFLN، ومن أعماله ” حمادة الملاكم” ” الدرسة” و”الميت الحي” وكان الأخير غالبا ما يرافق فرقة “السعادة” الموسيقية المشهورة بفنانيها وأغانيها السطايفية والوطنية حيث كان يعرض أعماله خلال فترات الاستراحة “سكاتشات” في قالب فكاهي هادف.

فكر المسرح السطايفي بطابع الجديد جاء في نهاية الستينات وبداية السبعينات متأثرا بزيارة خاصة للأديب والكاتب الكبير ” كاتب ياسين”  الذي جاء إلى سطيف في إطار الجولة الوطنية التي قام بها بمنتوجه الشهير “محمد خذ حقيبتي”، ليقوم الكاتب مختار شعلال الذي كان صديقا لكاتب ياسين بتكوين مجموعة من الشباب وسعى لربطهم بنشاط ” الحركة الثقافية للعمال” التي أنشأها كاتب ياسين بالعاصمة، وتعتبر هذه أول فرقة مسرحية سطايفية بعد الاستقلال بدار الشباب عباس مسعود والتي كان يديرها عمر مختار شعلال بنفسه واختير للمجمعة اسم ” أصالة”  يضم العديد من الوجوه على غرار : بوفجي زبير ولخضر بن خليفة وسليم بن زديرة وجمال مقلاتي المدعو “ماكاكو” وكان في الفرقة عنصر نسوي الوحيد متمثلا في شخص الآنسة نادية بكوش، ومن أشهر أعمال هذه الفرقة مسرحية ” العالم متهول ” حيث عرضت أكثر من خمسين مرة عبر مداشر وقرى الولاية وخارجها وقد جاءت هذه المسرحية معبرة عن الوضعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكثير من الدول العربية.

كتاب ” إطلالة على المسرح السطايفي” حاول أن يقدم العرفان لكل من صنع تاريخ المسرح السطايفي فلم يكتفي بالتطرق إلى الفرق المسرحية القديمة بل ذكر العديد من الفرق التي لا تزال تصنع الحدث بركح المسرح البلدي على غرار فرقة “الهضاب” للثلاثي عبد المالك بوساحل وبوسعادة فارس وفيصل ذواق وأبرز أعمالهم نجد ” النار الباردة” ” أحلام مسجون” “ولد البلا” “ديناصور”، ونجد أيضا فرقة أمواج التي أنتجت عديد الأعمال على غرار مسرحية ” صالح النية” وكان لهذه الفرقة حسب الكاتب رصيدا معتبرا مكنها من احتلال واجهة النشاط المسرحي المحلي والوطني، جمعية “الشهاب” أيضا صنعت اسمها ضمن كوكبة الفرق المسرحية السطايفية لمؤسسها مراد بن شيخ ولعل الكثير لا يزال يتذكر مسلسله الشهير “ياعامر يا ناسي” ولهذه الجمعية  العديد من الأعمال على غرار ” السرطان” و”مفترق الطرق” ومن أرز ممثليها الفنان القدير ” العمري كعوان” و “يوسف زيتوني” حيث كانت النصوص تنبع من قلم الأديب مراد بن شيخ.

وفي محطة بارزة أخرى توقف الكاتب “جما غريب” عند منتصف التسعينات أين ظهر نوعا جديدا حمل اسم ” الملحمات” والذي يميل أكثر إلى فن الأوبيرات عبر مجموعة من الأعمال التاريخية رسم أبرز خطوطها الأستاذ عزالدين ميهوبي على غرار “ملحمة 08 ماي 1945″، والتي ضمت أزيد من 290 ممثل وممثلة في أكبر عمل مسرحي في تاريخ الركح السطايفي وقد نال هذا العمل رواجا وطنيا كبيرا إلى درجة انتقال “عدوى” انتاج “الملحمات” عبر ولايات الوطن.

وفي هذا الخضم حافظت بعض الفرق على وفائها للفن  المسرحي على غرار فرقة ” رفقاء نجمة” ومن أبرز أعمالها مسرحية ” المتهوم” والتي ظهر فيها الممثل الصغير والمشهور حاليا مراد صاولي الذي فرض اسمه في الساحة الفنية بفضل قدراته العالية في التعبير الوجهي والجسدي.

مسرح الطفل أيضا كان له جانب في كتاب “إطلالة على المسرح السطايفي” غير أنه جاء متأخرا بالمقارنة مع المسرح الكبار حيث لم يعثر الكاتب على دليل تواجد مسرح الطفل إلا غاية الثمانينيات من القرن الماضي ببروز فرقة الثلاثي المرح تلتها جمعية “ألوان” ثم فرقة ” ابتسامة ” للأديب عبد الرزاق بوشناق وسهيل خلاف.

وقد عاد الكاتب “جمال غريب” في آخر فن مسرحي يعرفه الركح السطايفي إلى فن المونولوج الذي يعرف بالثلاثي : توفيق مزعاش، العمري كعوان ومراد صاولي  وهو الفن الذي يتبعه الملايين من المحبيين عبر الوطن والذي يشكل اليوم حصة الأسد في الانتاجات المسرحية السطايفية إلى درجة استحداث منافسة  جهوية تعرف باسم “أيام المونولوج” والتي تنظم كل سنة بمدينة سطيف تستقطب إليها العديد من المتنافسين الشباب القادمين من مختلف مناطق الوطن.

فيعد هذا العمل بحق مرجعية تاريخية وأدبية غير مسبوقة لا تزيد إلا ثراء في المكتبة الوطنية والمحلية ويكون بذلك منقذ لتاريخ كاد أن يندثر.

 

الوسوم

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق