مجتمـع

دوركم ليس اللهث خلف الأجور وما يملأ البطون فقط!

في العلوم القديمة والحديثة دائما السالب يقابله الموجب من أجل التفاعل، فكل شؤون الحياة الجسدية والروحية مبنية على المضادات، من الولادة حتى الموت وصولا إلى كل حالات الفرح والتشاؤم والحزن والبكاء وكل مصادر الأحاسيس، وقديما قال المتنبي «تـُعرف الأشياء بالمتضادات»، ولولا المدّ والجزر لما حافظت الأرض على توازنها.
إلى هنا أردت أن أشخّص مشكلة عويصة يتخبط فيها الجزائري على العموم، وكلما تقدم الزمن بها وبنا، تراها قد كبرت مخاطرها واستعصت حلولها، وهي مشكلة المنظومة الصحية في الجزائر، فالشائع بالأمس واليوم، هو أن الصحة في حد ذاتها مريضة، كما يراج ويُكتب، ويقابل هذا الداء الخبيث، داء آخر يسمى «سياسة اللاعقاب»، نظير عشرات الحالات التي يعاد فيها السبب الرئيسي إلى العاملين في هذا القطاع، والأصح أنها ظاهرة متخندقة في جميع القطاعات.
لذلك أصبح كل من يرتكب خطأ في حق روح بشرية، إما يحوّل أو يحال نحو وجهة أخرى، وبذلك ينتهي الأمر في ظرف دقائق معدودات، في انتظار طبعا حالات أخرى ربما هي أبشع من الأولى، وهذا عكس ما يحدث في دول أوروبية أو حتى آسيوية من باب المقارنة، حينما تحاسِب الجهات الوصية المؤسسة برمتها بدءا من الحاجب إلى المدير، وعلى هذا الأساس، صار أغلب الموظفين عندنا يؤدون عملهم اليومي بكل برودة وتثاقل من دون ضمير إنساني، بحجة أن البلاد في هاوية ومسؤولوها الكبار لا همّ لهم إلا المصادقة على مقررات هي في آخر المطاف مجرد شعارات ذات مفعول زمني محدود، وأنهم سوف يتنصلون من أصابع الاتهام كتنصل الشعرة من العجين.
كثير من القرّاء الأعزاء سمعوا بحادثة تلك المرأة من بلدية سور الغزلان في البويرة، التي توفيت نتيجة بقائها أزيد من 72 ساعة تحت رحمة آلامها واللامبالاة من طرف «مكلفين» وما أكثرهم في الجزائر، وما أكثر تلك الحالات المشابهة في باقي القرى والأرياف وحتى في مدن كبرى، كما تورد لنا الصحف وجلها تلقي باللائمة على سوء الاستقبال والعناية .
مستشفى سور الغزلان الذي يعود تاريخ بنائه إلى عهد الاستعمار، كان مع مطلع السبعينات من القرن الماضي، نموذجا حيّا للخدمات الراقية، بدليل أن وزراء لحد الساعة وكبار من مسؤولينا ولدوا فيه، وإذ أنت تسمع بقصة هذه السيدة، ستتأسف صراحة عن الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج الفظيعة أو تلك، وأن النموذج الذي من المفروض الاقتداء به، أصبح يصدر لنا ما هو أسوأ، فما بالك بقطاعات ومؤسسات حديثة النشأة، ما الذي أصاب منظومتنا العملية والفكرية يا ترى؟.
أكيد أن هنالك عوامل وجب تشخيصها، ولو لاحظنا معا أن كل الحالات المخزية والمحزنة في آن تحدث ليلا، وكأن به لا بد للمريض أن يمرض في عزّ النهار فقط، لأنه ليلا سوف يقابله ما هو أمرّ وأبشع، فالطبيب نائم ومرات الموجود هو أقل منه خبرة، أي متربص وماضٍ نحو وجهته، والمدير في إجازة والممرض لا همّ له إلا أن تنقضي سويعات عمله في انتظار من سيخلفه، وقد شاهدت شخصيا في إحدى الصحف صورة من دون تعليق، تبيّن كيف لمجموعة من الممرضين وهم يلعبون «الدومينو» في ساحة، هي المدخل الرئيسي للمستوصف وهلمّ جرّا!.
وهذه علامة صحية إن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على خراب وحجم الخواء الحاصل في هذه المنظومة الهامة، والتي تعني فيما تعنيه سلامة البشر وصحتهم وعافيتهم، وإلا فكل شيء أضحى يستدعي العلاج، فلقد سئم المواطن دولة الشعارات وبعض المسؤولين يتبوأون مناصب مزيفة، يتحدد نشاطهم ويتمثل في عمليات هي أشبه برجال المطافئ والتدخل ليس إلا، وذلك حينما تقع الفأس على الرأس فقط، وليس السهر على توفير كل سبل الراحة والاطمئنان للمواطن (غياب مفعول شعار الوقاية خير من العلاج)، فإذا غاب الضمير المهني تميّع كل شيء وفي جميع المرابض والإدارات والوظائف، في التربية.. الرياضة وفي الجامعة وما أسوأه في الإدارة.
فما الذي تحتاجه دولتنا من أجل إصلاح كل اعوجاج، خبراء مثلا أم علماء، أم دعاة وأئمة أم نخب مثقفة؟
إنه حال الأمم التي تلهث وراء المادة، ويقصد تفضيل المال عن الإنسان، أي بتفسير آخر أن الهمّ الوحيد لموظفي القطاع العام، هو اللهث وراء أرقام أرصدتهم والاحتجاج وشنّ الإضرابات ليس لنقص المرافق أو الخدمات، بل للأجور وما يملأ البطون.

سرمد

القلم الذي لا يحمل هموم المظلومين وجوع الفقراء وأنين الوطن لا يصلح للكتابة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق