
تستعيد مدينة بسكرة، عاصمة الزيبان، حيويتها مع حلول شهر رمضان من كل عام، في موعد يكاد يكون ثابتًا في الذاكرة الجماعية لسكانها، حيث تتغير ملامح الشوارع وتكتسي الأحياء روحا مميزة تعكس المكانة الرمزية للشهر الفضيل في وجدان المجتمع المحلي.
وتعرف الأسواق الشعبية حركية متصاعدة، منذ الساعات الأولى للنهار، غير أن الذروة اليوم تُسجَّل قبيل موعد الإفطار، حين تزدحم الأزقة بالمأكولات التي ارتبطت بعادات البساكرة جيلاً بعد جيل.
وتتصدر “الدوبارة” المشهد باعتبارها طبقًا حاضرًا بقوة في الذاكرة الغذائية للمدينة، إلى جانب الخبز التقليدي الطازج، من رخساس أو فطير فيما تلمع الزلابية في واجهات المحلات كعنوان ثابت للأمسيات الرمضانية، هذا الحراك اليومي لا يعكس مجرد نشاط تجاري موسمي، بل يكشف عن تمسك واضح بنمط عيش تقليدي يحافظ على خصوصية المنطقة ويعيد إنتاجها سنويًا في سياق تعبدي واجتماعي متكامل.
وقبيل حلول الشهر أو خلال أيامه الأولى، يتجه العديد من السكان نحو بلدية ليوة لاقتناء اللحوم التي تشتهر بها المنطقة، في حين تبقى مدينة طولقة وجهة أساسية للراغبين في التزود بأجود أنواع التمور التي تتصدر موائد الإفطار، كما يوزع فلاحوا وتجار “زريبة الواد” مادة الفريك على معظم مناطق الولاية لتؤكد شربة الفريك ثباتها كالطبق رئيسي لا تخلوا منه أي طاولة إفطار بسكرية.
ويبرز هذا التنقل الموسمي بين البلديات كجزء من ديناميكية اقتصادية واجتماعية تعزز الروابط داخل الولاية، وتؤكد ارتباط الطقوس الرمضانية بالإنتاج المحلي الذي يشكل ركيزة لهوية المنطقة.
ومع صدح أذان المغرب، يخيم سكون مهيب على المدينة للحظات، في مشهد يعكس رهبة اللحظة وروحانيتها، قبل أن تعود الحياة تدريجيًا بعد الإفطار أين تتجه الجموع إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح، حيث تكتظ بيوت الله بالمصلين، وتمتد الصفوف في بعض الأحياء إلى الساحات المجاورة فيما تتعالى أصوات التلاوة فتمنح ليالي بسكرة طابعًا روحانيًا خالصًا.
ويعكس هذا الإقبال الواسع عمق البعد الديني الذي يميز المدينة خلال الشهر الفضيل، ليؤكد أن رمضان هنا ليس مجرد مناسبة زمنية، بل تجربة جماعية تتجدد فيها معاني التعبد والانتماء.
وعقب صلاة التراويح، تنبض السهرات الرمضانية بالحياة، فتتعطر البيوت بروائح البخور المنبعثة من النوافذ، وتزدحم الشوارع بالعائلات الخارجة للتنزه أو زيارة الأقارب.
فيما تبرهن موائد الإفطار الجماعية والمبادرات التضامنية التي تقوم بها كافة الجمعيات الخيرية بمعظم بلديات بسكرة روح التكافل المتجذرة في المجتمع البسكري.
بهذه التفاصيل المتداخلة بين الحركة اليومية والسكينة الليلية، ترسم بسكرة صورة خاصة لرمضان تتقاطع فيها التقاليد الغذائية مع الممارسات الدينية والعلاقات الاجتماعية، لتشكل لوحة متكاملة تعكس هوية المدينة وخصوصيتها الثقافية في الشهر الكريم.





