عضو لجنة تحكيم جائزة آسيا جبار حول تتويج “هوارية”..ليس من حق أحد مطالبتنا بتبرير حول اختيارنا للرواية

أثارت رواية “هوارية” للكاتبة إنعام بيوض جدلا واسعا وانقسامات حول مؤيد ومعارض لها، بعد تتويجها يجائزة آسيا جبار للأدب.

وقد فتحت الرواية أبواب نار على صاحبتها والمؤيدين لها من الأدباء والكتاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن جاء رد أحد عضاء لجنة التحكيم لمسابقة آسيا جبار، الأستاذ عبد الحميد بورايو ليفصل في الموضوع عبر منشور خاص جاء فيه:

تريثت قبل أن أخوض فيما خاض فيه الكثير، في ما تعلق برواية هوارية التي توجت بجائزة اسيا جبار. أردت من خلال هذا المنشور توضيح أهم العوامل والمواقف التي لابست الموضوع.
1. لقد جرت مداولات لجنة التحكيم في ظروف عادية، ساهم فيها سبعة أعضاء، وكان الراي في الاخير للاغلبية، دون اي ضغط من أية جهة كانت، ولم تكن هناك أية إملاءات، ما حاولت بعض التدخلات الفايسبوكية ان توحي به.
2. تشكلت اللجنة من أساتذة جامعيين متخصصين في الأدب وإعلاميين وناشطين في المجال الثقافي وكتاب رواية وشعراء ومترجمين؛ بعضنا من كبار السن وبعضنا مخضرمين، والبعض الاخر من الجيل الجديد. تجاربنا واذواقنا وانحيازاتنا الثقافية متنوعة بتنوع المشهد الثقافي الجزائري، غير اننا كنا نتناقش، ونحاول ان نقنع بعضنا، ونجيز في النهاية موقف الاغلبية. لذا فاننا نتحمل مسؤولية اختيارنا، ولا نخضع الا للقانون الداخلي للجنة التحكيم، ولما يتطلبه سير هيئتنا من تقديم للمحاضر للهيئة المشرفة وتقرير نهائي في حفل توزيع الجائزة، وهو ما فعلناه. ليس من حق أية جهة أخرى تطالبنا بتقديم مسوغات الاختيار، فاللجنة سيدة في قرارها.
3. تراوحت الكتابات والتعليقات بين مؤيد لاختيار الرواية ومحتج على هذا الاختيار. جاءت متفاوتة من حيث القيمة النقدية وجدية الطرح. ساهم فيها في البداية اناس موتورون غير راضين على الاختيار، لان الروايات التي رشحوها لم تندرج في القائمتين الطويلة والقصيرة. تم نشر قائمة بألفاظ دالة على الجنس اخرجت من سياقاتها، واغلبها بالدارجة تضمنتها الحوارات. اطلع عليها اناس لم يقراوا الرواية وراحوا يكيلون التهم للرواية ولمن اجازها!.. بدعوى انها مخلة بالاخلاق وخادشة للحياء، وبعضهم تعرض بالشتم والمس بالعرض والنيل من السمعة بخصوص الكاتبة واعضاء اللجنة ومن دافع عن الرواية، علما بان الرواية تحدثت عن شريحة اجتماعية مهمشة منحرفة كانت موجودة في بعض المدن الجزائرية منذ العهد الاستعماري، واستغلتها بعض تيارات الحركة السياسية الدينية في التسعينيات من القرن الماضي، وجندتها للقيام باغتيالات لرجال الثقافة والسياسة.
بالنظر لهذا الموضوع الحساس الذي اتخذته الرواية كثيمة اساسية صنعت منها الاحداث وبنت الشخصيات بالاعتماد عليها، وهو موضوع ذكر بصراع احتدم في الجزائر خلال العقد الاخير من القرن الماضي، ومازال اطرافه متواجدين في المجتمع، انبرت الاقلام للهجوم على الرواية او الدفاع عنها.
4. لقد لعبت التقييمات المعبرة عن المواقف السياسية دورا اساسيا في توجيه التعليقات والكتابات بالنظر الى أن موضوع الرواية مازال حيا في النفوس، عبر عن مكبوتات جمعية، لم ينجح المجتمع الجزائري في تجاوزها بسبب غياب النقاش والاليات الكفيلة بذلك. لقد فسح المجال لاطراف النزاع من خلال هذه الحملة للتعبير عن انفسهم من مواقعهم المتباينة من قضية سنوات الجمر.
5. اذا ما تجاوزنا هذا البعد السياسي وتوقفنا عند البعد الثقافي، سوف نجد الموقف واضحا عند “التيار المعرب المحافظ”؛ والذي ينبع تقويمه للادب الجزائري من منظور اخلاقي وديني، فهو يفرض قيودا على العمل الفني بحيث يصادر كل تعبير يرى فيه خرقا للقيم الدينية والاخلاقية المتعارف عليها في المجتمع ويرى ضرورة ان يلتزم الاديب بحدود الحشمة والوقار واللياقة في التعبير، وهو موقف من الادب له جذوره في المنجز الادبي لجمعية العلماء المسلمين، التي ساهمت في نشاة وتطور الادب الجزائري الحديث المكتوب باللغة العربية، واعتبرته وسيلة ناجعة للتربية الدينية والخلقية وحاملا لرسالة الوعظ والارشاد، وكرست تراتبية معينة لفنون الادب؛ تاتي الخطابة في المقدمة، ثم الشعر، بعدهما المقالة القصصية، ثم القصة . وهي مرتبية استبعدت تماما فن الرواية الذي لم يظهر في منجز الثقافة العربية في الجزائر الا بعد الاستقلال باكثر من عقد كتبها روائيون نشاوا على ادب الحركة الإصلاحيّة، لكنهم احتضنوا فيما بعد حركة التحديث من امثال عبدالحميد بن هدوقة والطاهر وطار وبقطاش مرزاق وغيرهم.
اعتبر بعض الادباء الذين يمثلون امتدادا لتيار الحركة الاصلاحية، ولم يؤمنوا بالحداثة متوقفين عند الموقف المبدئي للحركة الاصلاحية، رواية “الهوارية” خروجا عن مواصفات الادب الذي يدعو اليه هذا التيار المحافظ، وسلطوا عليها هجوما كاسحا واعتبروها من الغزو الثقافي المعادي الفرنكوفوني والشيوعي الخ…وانبروا لكسب مؤيدين لهم خاصة في الوسط المعرب باعتبار ان المسالة “قضية وجود” وصيانة للموقع الثقافي الذي يرومون ان يتصدروه في الثقافة الجزائرية المعاصرة.
6. تجسدت من خلال بعض التعليقات والكتابات بعض التوترات القائمة بين حساسيات ثقافية مختلفة موجودة في الوسط الثقافي الجزائري والتي تستند على التناقضات الاتية:

معرب/ مفرنس، ديني/ علماني، امراة/ رجل، تقليدي/ حداثي، جهوي/ وطني، الى جانب ذلك برزت بوضوح بعض الخلافات الشخصية والاتهامات المتبادلة بين الكتاب، ولكل انصاره.
7. كانت التعليقات فرصة سانحة لان يعلن البعض رفضهم لاسياجبار كرمز وكانتاج ادبي ومسار ثقافي وطني، نظرا لموقعها في الثقافة الفرونكوفونية. اعاد البعض تساؤلا كنا نعتقد بانه اختفى؛ تمثل في اعادة النظر في الانتاج الادبي الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية. هل نعتبره ادبا جزائريا؟ هل يحق للجزائري ان يكتب بغير اللغة العربية؟!..
8.عبرت التعليقات والكتابات عن اصرار على رفض استعمال لغة الحياة اليومية -العربية الدارجة-كاداة للتعبير الادبي، وهو موقف متعصب اذا ما نظرنا في ادب المصريين مثلا،: اذ نجد ان هناك عددا من الروايات والمسرحيات المنشورة بالمصرية، بينما لم يظهر عندنا الا رواية واحدة بالعربية الدارجة كانت ضمن الاعمال التي قدمت في الدورة السادسة من جائزة اسياجبار . هناك بعض التسامح مع دواوين الشعر الملحون، باعتباره نوعا فرض نفسه على الناشرين منذ بداية القرن الماضي. كما ان المسرح الممثل وفن السينيما تعاملا مع لغة الحياة اليومية بالطريقة المناسبة
شخصيا ارى بان كتابة الرواية تحتاج الى تهجين لغوي، وتوظيف لعربية الحياة اليومية، خاصة وان فن الرواية يعالج المجتمع بجميع مظاهره.
ستظل قضية استعمال اللغة المناسبة في الفنون موضوعا للنقاش، خاصة وان اللغة العربية نفسها تعرضت لتغيرات وتطورات عديدة، لانها مجبرة على أن تعبر عما يعيشه الناس وعن مجالات ثقافية جديدة، مما اضطرها وسيضطرها في المستقبل لأن تكون مرنة أكثر، وأن تتجاوز ما وضع لها من قواعد قبل أربعة عشر قرنا.

يبقى هذا رد القائمين على الجائزة، الذي سيفتح أبوابا أخرى من التضاريس في الآراء بين الأدبيين والجمهور الذي لا يتقبل خرق الطابوهات في المجتمع الجزائري.

اظهر المزيد

نجيبة بوقلي

بوقلي عواطف صحفية من قسنطينة متحصلة على ماستر 2 في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة قسنطينة 3. خريجة معهد وطينة ميديا للتدريب الإعلامي، لدي عدة تجارب في بعض الجرائد الورقية، و مراسلة بمواقع اخبارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق