هوس المؤثرين.. الترندات… والخلفية المجتمعية

ما أحدثه ظهور سبيد في المجتمع الجزائري

أثارت زيارة صانع المحتوى العالمي الأمريكي المعروف بـ IShowSpeed (سبيد) إلى الجزائر، وقبلها زيارة اليوتيوبر الأردني أنس الشايب، موجة تفاعل غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّلت في وقت قياسي إلى ترند وطني استحوذ على اهتمام واسع، متجاوزًا في انتشاره قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن الجزائري.

وقد وثّق “سبيد” زيارته للجزائر عبر مقاطع بث مباشر ومحتوى ترفيهي حصد ملايين المشاهدات في غضون دقائق، ظهر خلالها في مواقع سياحية وشعبية، وسط استقبال جماهيري كبير، ما دفع العديد من الصفحات والمؤثرين المحليين إلى إعادة تدوير الفيديوهات وتضخيم الحدث رقميًا، في مشهد وصفه متابعون بأنه يعكس “هوس الترند” أكثر مما يعكس قيمة الحدث نفسه.

وفي المقابل أعادت هذه الزيارة إلى الواجهة، الجدل الذي رافق زيارة اليوتيوبر الأردني أنس الشايب في وقت سابق، حين أثارت طريقة تعاطي بعض المؤثرين الجزائريين معه انتقادات واسعة، خصوصًا ما اعتُبر “تقديسًا مبالغًا فيه” لشخصية لا تمتلك رصيدًا علميًا أو ثقافيًا، وفق تعبير عدد من النشطاء، والمثقفين مقابل تجاهل شبه تام لقامات فكرية وثقافية محلية تستحق أولوية الإهتمام مما توجب طرح أسئلة مقلقة حول حجم التفاعل الرقمي الكبير في الحالتين مقارنة بمحدودية الأثر الواقعي لهما.

إذ تصدرت الوسوم المرتبطة بالزيارتين قوائم الأكثر تداولًا، بينما غابت في الفترة نفسها نقاشات معمقة حول قضايا مثل البطالة، الهجرة غير الشرعية ، ازمة الزيت والسميد والبنزين في كثير من ولايات الوطن ، أو السياسات الثقافية والتعلمية وحتى المرورية ، ما فتح نقاشًا عامًا حول أولويات الاهتمام لدى فئة واسعة من الشباب.

ويرى مختصون في علم الاجتماع والإعلام أن هذا السلوك لا يمكن فصله عن التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في أنماط الاستهلاك الإعلامي، حيث أصبح المحتوى الترفيهي السريع أكثر جاذبية من النقاشات الجادة التي تتطلب وعيًا نقديًا وزمنًا أطول للتفاعل.

ويذهب عدد من الباحثين إلى أن الانخراط المكثف في متابعة المؤثرين قد يعكس نوعًا من الهروب الرمزي من ضغوط الواقع الاجتماعي والاقتصادي، نحو عالم افتراضي يُسوَّق على أنه حياة مثالية، غالبًا ما تكون منفصلة عن الطابع الثقافي والديني والاجتماعي الجزائري.

ويرى مختصون في هذا السياق، أن الخطر لا يكمن في المتابعة بحد ذاتها، بل في غياب التربية الإعلامية التي تمكّن الشباب من التمييز بين الترفيه والاستهلاك الواعي، وبين التأثر العابر والانقياد غير النقدي وراء نماذج وقيم مستوردة لا تنتمي لقيمنا التربوية .

حيث أعادت هذه الظواهر طرح سؤال جوهري في الفضاء العمومي:

هل يشهد المجتمع الجزائري تحولًا عميقًا في منظومة اهتماماته وقيمه دون وعي جماعي بذلك؟

ليجد المشاهد نفسه امام إجابات لا تبدو موحّدة؛ فبين من يرى في هذه الظواهر مجرد موجات عابرة تفرضها طبيعة المنصات الرقمية، ومن يعتبرها مؤشرات على تراجع الاهتمام بالشأن العام ليبقى الثابت أن مواقع التواصل أصبحت فاعلًا مركزيًا في تشكيل الوعي، ما يفرض علينا إعادة التفكير في أدوار الإعلام، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية في مرافقة هذه التحولات.

بواسطة
رحاب هناء
المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى