
عيد الفطر بالنسبة لنا معشر المسلمين هو أحد الأعياد الإسلامية التي نخلدها عقب أداء شعيرة عظيمة من الشعائر التعبدية الإسلامية، ألا وهي شعيرة الصيام، الذي هو أحد أركان الإسلام الخمس، وما يصاحبه من تطوعات وقربات كثيرة، يتقرب بها المسلمون إلى ربهم، وهم صيام، وما يصاحب ذلك من قيام للّيل، وصلاة التراويح والتهجد والإكثار من قراءة القرآن، ثم يختمون شهرهم المبارك العظيم بأداء زكاة الفطر من رمضان، تطهيرًا للصائم، وطعمة للفقراء والمساكين، من أجل أن تعم البهجة والسرور، والفرحة والحبور، جميع البيوتات، وجميع الأسر، كيف ما كان وضعهم الاجتماعي.
إذن عيد الفطر هو يوم عظيم من أيام الله الخالدة لذلك كان أجدادنا وأسلافنا يستعدون له استعدادًا لا يقل أهمية عن استعدادهم للشهر الفضيل رمضان المعظم، استعدادًا قل نظيره، استعدادًا لم يكونوا يستعدون بمثله لأي موسم آخر من المواسيم الدينية.
ولله الحمد والمنة، لا زال الحال كما كان عليه من ذي قبل، وإن كان قد طرأ هناك تغيير نظرًا لتطور الحياة الاجتماعية، ولم تعد كالتي كانت عليه سابقًا، فحياة الناس في الماضي كانت حياة بسيطة، أما الآن فالحياة صارت معقدة وتطورت إلى أقصى درجة، فالبون شاسع وفرق كبير بين ما نحن عليه وما كان عليه آباؤنا وأجدادنا، وباب التقدم والتطور لا زال مفتوحًا على مصراعيه.
وكل شيء تقريبًا تغير ولم يبق هناك مما كان معروفًا من ذي قبل إلا بعض الشعارات وبعض الأشياء التي تشبثنا بأسمائها ومسمياتها في حين هي ليست من ذاك الماضي التليد المعروف.
وهذا الأمر تطور بشكل مفاجئ، ولم تكن هناك أي مقدمات لتغير هذا الزمان خاصة فيما يتعلق بمثل هذه القضايا التي تتعلق بالاستعداد لكل ما هو ديني محض، ومع ذلك، نلاحظ هذا التغيير فما كان عليه الأمر سابقًا في الأربعينيات والخمسينيات في القرن المنصرم، وإن شئت فقل الثمانينيات أعني من نفس القرن، ليس هو ما عليه الآن حتمًا.

إن قدوم عيد الفطر الذي يكون في أول أيام شهر شوال، له نهكة خاصة، وفرحة عيد الفطر هي فرحة عارمة لا تضاهيها أي فرحة أخرى، ذلك أننا كنا في الماضي صغارًا وفضولنا كان يدعونا إلى ملاحظة ما يفعله الناس حولنا، ونتيجة لذلك كنا نرى الناس يستعدون لهذا العيد استعدادًا بالغًا، بداية من منتصف شهر رمضان المعظم، فالنساء كان همهم الأكبر هو أن يهيؤون البيت ويعدونه إعدادًا جيدًا لهذا الحفل الديني البهيج، وهذا الموسم الديني المقدس، كانوا ينظفون البيت إضافة إلى تزيينه وصبغ جدرانه بمادة الجير والطلاء، وينظفون ما فيه من أثاث وأوان وأرائك وأفرشة، استعدادًا ليوم الفرحة الكبرى، والبهجة العظمى والسرور والحبور، حيث تكثر فيه صلة الرحم، فتكون هناك زيارات عائلية كثيرة، فأهل القرى والبوادي يذهبون لزيارة عائلتهم وأقاربهم في المدن، في حين أهل الحضر والمدن، تارة هم من يبادرون بزيارة أقاربهم، من أهل البدو، والنساء هن من يتولون هذا الأمر كله، أما الرجال كانوا يستعدون خارج البيت، فهم مكلفون بالإنفاق على أبنائهم وبناتهم وزوجاتهم، وتوفير حاجياتهم اليومية بل وكل ما يحتاجونه في يوم حفل يوم عيد الفطر المبارك السعيد، وبالتالي تجدهم يعملون جادين من أجل أن يأتي هذا اليوم، وهم في أتم الاستعداد له، يتحملون أعباء كبيرة ومضنية من أجل أن يكون أبناؤهم وبناتهم سعداء في هذا اليوم، فهم مكلفون بالمأكل والمشرب واللباس وما يتعلق بحاجيات الأبناء والبنات، يعملون عملًا حثيثًا ومتواصلًا من أجل أن يأتي هذا اليوم وهم قد وفروا لأبنائهم وبناتهم وزوجاتهم اللباس الجديد، إذ أن ذلك هي تقاليد عريقة توارثناها أبًا عن جد، وسلفًا عن خلف، وهكذا، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك عيد الفطر دون اللباس الجديد، حتى إن كثيرًا من الرجال كانوا يقعون في حرج كبير إذا لم يوفروا لأبنائهم وبناتهم ما يتطلبه لهم العيد، خاصة إذا كان المجتمع يمر بضائقة مالية أو بأزمة اقتصادية حادة وصعبة، فإن الأمر يبدو في غاية الصعوبة للرجال، ومع ذلك يواصلون العمل المضني في الليل والنهار من أجل أن يوفروا ما هو مطلوب منهم أن يوفروه.
وفي التاسع والعشرين من رمضان يراقبون هلال شهر شوال، فإن بدا في الأفق فبها ونعمت، وبالتالي فإن يوم غد سيكون يوم عيد الفطر المبارك السعيد، وإلا فإن شهر رمضان المعظم يكون قد استوفى ثلاثين يومًا.
وصبيحة عيد الفطر يخرجون لأداء صلاة العيد، في المصلى مكبرين مهللين، حامدين الله شاكرين، على أن وفقهم لصيام شهر رمضان المعظم، وعندما تنتهي مراسيم صلاة العيد يهنئون بعضهم البعض بهذا العيد المبارك السعيد فينطلق الاحتفال آنئذ بوضع ما لذ وطاب على الموائد، والناس يتبادلون التهاني والزيارت، والأطفال والنساء والرجال على حد سواء يلبسون أبهى الحلل، احتفاء بعيد الفطر المبارك السعيد، يظلون هكذا اليوم كله، وتبقى مظاهر العيد في الأيام الموالية بادية للعيان، إلى أن تختفي شيئًا فشيئًا ثم تعود الحياة إلى طبيعتها.






