
إصلاح مؤسسات التكوين الفني.. نحو مدرسة ثقافية تواكب المستقبل
إصلاح طال انتظاره ومستقبل الثقافة يبدأ من التكوين
إلى معالي وزيرة الثقافة والفنون، الدكتورة مليكة بن دودة،
كم كنت سعيدًا ومنتظرًا لتلك اللحظة التي أعلنتم فيها عن مشروع إصلاح مؤسسات التكوين الفني، لإدراكنا جميعًا أن لا مستقبل للثقافة والإبداع دون مدارس قوية، تستند في تصوراتها إلى أهداف واضحة وأفكار مستقبلية.
وبحكم شغفي بالفنون ومتابعتي لهذه المؤسسات على مدى عقدين أو أكثر، كان لي شرف المبادرة سنة 2004 إلى فتح ملحقتين لمعهد التكوين الموسيقي والفنون الجميلة بعنابة، بتعاون نبيل من رئيس الجامعة آنذاك، الأستاذ الطيب العكسري، الذي وضع تحت تصرفنا جناحًا كاملًا بقسم علم الاجتماع.
وقد كنت دائمًا مؤازرًا وقريبًا من أساتذة هذه المؤسسات، سواء في قسنطينة أو عنابة أو سطيف، ومؤمنًا بأن الإصلاح البيداغوجي حاجة ملحة ومستمرّة.
الموارد البشرية جزء أساسي من الإصلاح
إن أي إصلاح حقيقي لمؤسسات التكوين الفني لا يمكن أن يقتصر على المناهج والبرامج، بل ينبغي أن يشمل أيضًا العناية بالموارد البشرية، وكل ما يرتبط بالمسار المهني للأساتذة والمؤطرين.
ويتعلق الأمر بالشهادات والتصنيفات والرتب والتعويضات، إلى جانب خلق مناصب جديدة، خصوصًا في مجالات المرافقة والتقييم البيداغوجي، وهي جوانب لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام.
كما ألفت عنايتكم الكريمة إلى خصوصية التكوين الفني وما يعانيه ممارسوه من إجحاف وجحود، وسط نظرة لا تزال لدى البعض تحمل شيئًا من الريبة والتوجس تجاه هذا المجال.
من الإصلاح الإداري إلى إصلاح الفعل الثقافي
إن حملكم لواء هذا الإصلاح يتجاوز حدود القرار الإداري، لينفذ إلى عمق الفعل الثقافي السليم.
وعليه، نرجو أن نعيش معًا لحظة هذا الإصلاح، من خلال مراجعة المناهج ودفعها نحو الاحترافية والابتكار، وتحقيق التكامل بين الجانب النظري والتطبيقي، وربط المقررات الدراسية بالواقع الميداني ومتطلبات سوق العمل.
وفي هذا المسار، أعتقد أن إشراك الأساتذة الممارسين سيكون أمرًا حاسمًا، بالنظر إلى خبرتهم اليومية ومعرفتهم المباشرة بالصعوبات التي تواجه الطلبة والأساتذة، فضلًا عن ندرة الوسائل والأدوات في بعض المؤسسات.
الانفتاح على التجارب التكوينية الدولية
إن الاستفادة من خبرات الأساتذة الممارسين لا تمنع، بطبيعة الحال، من الاستعانة بالكفاءات المتمرسة والخبرات المتخصصة.
كما يبدو أن الساعة قد أزفت للانفتاح أكثر على التجارب التكوينية الأجنبية، إذ لا يمكن بأي حال أن نبقى مكبلين بالطمأنينة، مكتفين بذاتنا ومنغلقين على تجاربنا الداخلية.
فالانفتاح على التجارب الدولية يمكن أن يتيح لنا الاستفادة من نماذج ناجحة في التكوين الفني، وتطوير أساليب التعليم والمرافقة والتقييم.
من طالب يتلقى التكوين إلى فنان يصنع مشروعه
هذه الرسالة نابعة من القلب، دعمًا للجهود المبذولة لإنجاح هذا الإصلاح، وأملًا في أن تكون السنة الدراسية القادمة سنة الشروع الفعلي في تنفيذ هذه الورشة.
نطمح إلى إدخال مفردات دراسية جديدة، وتحقيق النقلة المرجوة في مؤسسات التكوين الفني، حتى لا يتخرج الطالب وهو لا يعرف سوى الرسم أو العزف أو التمثيل.
بل نريده قادرًا على تحويل تكوينه الفني إلى مشروع قابل للتجسيد والمنافسة والتسويق، يمتلك أدوات الإبداع، ومعرفة الواقع المهني، والقدرة على صناعة مستقبله والمساهمة في تطوير المشهد الثقافي الجزائري.
فالإصلاح الحقيقي لمؤسسات التكوين الفني لا يصنع فنانين أفضل فحسب، بل يصنع جيلًا قادرًا على تحويل الموهبة إلى مهنة، والإبداع إلى مشروع، والثقافة إلى قيمة مضافة للمجتمع.





