
ليست الجزائر دولةً عابرة في سجلّ التاريخ، ولا رقما جديدا في معادلات السياسة الإقليمية؛ إنها دولة تعلّمت باكراْ أن من لا يحمي سيادته اليوم، يدفع ثمن التفريط بها غداْ. ومن هذا المنطلق، وبهذا الوعي المتجذّر في الذاكرة الوطنية، يمكن فهم الموقف الجزائري الراهن تجاه ما تعتبره سياسات إماراتية تجاوزت حدود الأعراف الدبلوماسية ومبادئ الاحترام المتبادل بين الدول.
لقد عرفت العلاقات الجزائرية الإماراتية، في مرحلة سابقة، تقارباْ لافتاْ وُصف حينها بالعلاقات “الذهبية”، حيث تداخل السياسي بالاقتصادي، وحضر الخطاب الودي في أعلى مستوياته. غير أن التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، وتباين الرؤى حول قضايا محورية تمسّ الأمن القومي والسيادة، جعلت هذا المسار يفقد زخمه تدريجياْ، إلى أن وصلت العلاقة في الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراْ منذ قيامها.
بحلول فيفري 2026، لم تعد الخلافات تُدار بلغة المجاملات أو الرسائل الرمزية، بل خرجت إلى حيّز القرار السيادي الواضح. شروع الجزائر في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013 لم يكن خطوة تقنية معزولة، بل تعبيراْ صريحاْ عن أن الخلاف بلغ مستوى يمسّ الثقة السياسية. فالجزائر، وهي تدرك كلفة أي قرار اقتصادي، لا تقدم على مثل هذه الخطوات إلا حين ترى أن أسس العلاقة لم تعد قائمة كما ينبغي، وأن احترام السيادة لم يعد مضموناْ.
وتزامن هذا المسار مع تقليص واضح للتمثيل الدبلوماسي، عبر إنهاء مهام القنصل العام في دبي ثم سحب السفير الجزائري من أبوظبي دون تعيين بدلاء في رسالة دبلوماسية مفهومة المعنى مفادها أن العلاقة دخلت طور الحد الأدنى. ومع ذلك، لم تنزلق الجزائر إلى قطيعة شاملة، في دلالة على أنها لا تبحث عن التصعيد لذاته، بل عن إعادة ضبط العلاقة على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل.
جوهر الخلاف، كما عبّر عنه الرئيس عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة، يتمحور حول مبدأ تعتبره الجزائر غير قابل للتفاوض: عدم التدخل في الشؤون الداخلية. فالقيادة الجزائرية ترى أن هناك محاولات للتأثير في القرار الوطني، وتوظيف المال والنفوذ في محيطها الإقليمي، لا سيما في ليبيا ومالي ومنطقة الساحل، وهي مناطق ترتبط مباشرة بالأمن القومي الجزائري وتشكل عمقاْ استراتيجياْ لا يمكن التعامل معه بخفة أو حسابات خارجية.
وفي هذا السياق، تنظر الجزائر بعين القلق إلى بعض التحركات الإقليمية التي تُقرأ لديها كمحاولات لإعادة رسم موازين النفوذ في منطقة الساحل دون مراعاة لمصالح الدول المحورية فيها، وعلى رأسها الجزائر التي دفعت أثماناْ باهظة تاريخياْ للحفاظ على استقرار حدودها ومحيطها. إن تجربة الجزائر مع الإرهاب وعدم الاستقرار جعلتها أكثر حساسية تجاه أي عبث بموازين الأمن في جوارها المباشر.
ويزداد المشهد تعقيداْ حين يتقاطع هذا الخلاف مع ملف الصحراء الغربية، حيث ترى الجزائر أن بعض التحالفات الإقليمية الجديدة، وعلى رأسها التقارب الإماراتي المغربي المدعوم من الكيان، تتناقض مع قرارات الشرعية الدولية ومبدأ تصفية الاستعمار. وموقف الجزائر هنا ليس وليد لحظة سياسية عابرة، بل امتداد ثابت لعقيدة دبلوماسية تبنّتها منذ الاستقلال، حين جعلت من دعم القضايا العادلة وحركات التحرر ركيزة لهويتها الدولية ومصدر احترامها العالمي.
أما في الجانب الاقتصادي، فقد كشفت تصريحات الرئيس تبون بشأن تهديد بعض المستثمرين الإماراتيين باللجوء إلى التحكيم الدولي عن مبدأ آخر لا تقلّ الجزائر تمسكاْ به، وهو أن الاستثمار مرحّب به ما دام في إطار السيادة والاحترام المتبادل، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي. فالجزائر التي قدّمت مليوناْ ونصف المليون شهيد ثمناْ لاستقلالها، لا يمكن أن تُبتزّ بملفات تحكيم أو تهديدات مالية مهما كان حجمها.
ومن المهم التأكيد على أن هذا التوتر لا يعكس موقفاْ جزائرياْ سلبياْ من محيطها الخليجي، إذ تؤكد الجزائر، رسمياْ وبوضوح، أن علاقاتها مع السعودية وقطر والكويت وسلطنة عُمان علاقات أخوية وممتازة. وهو ما يثبت أن الخلاف الحالي محدد في طبيعته وأسبابه، وليس موقفاْ عاماْ أو نزاعاْ حضارياْ، بل اختلاف سياسي مع دولة بعينها حول خيارات ومسارات محددة.
إن من يقرأ تاريخ الجزائر بعمق يدرك أن ما يحدث اليوم ليس خروجاْ عن نهجها، بل وفاء له. فالجزائر التي قاومت الاستعمار، ورفضت الانحياز الأعمى في زمن الاستقطاب الدولي، واحتضنت قضايا التحرر في إفريقيا والعالم، ولم تساوم يوماْ على فلسطين، هي نفسها الجزائر التي تقول اليوم، بهدوء وثبات، إن السيادة خط أحمر، وإن القرار الوطني ليس محل مساومة.
قد يختلف البعض حول أسلوب المواجهة أو كلفة التصعيد، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الجزائر تتصرف بمنطق دولة تعرف وزنها، وتحترم تاريخها، وتدرك أن احترامها يبدأ من احترامها لنفسها. وفي زمن تتكاثر فيه التدخلات وتتداخل فيه المصالح، يبقى الموقف الجزائري تعبيراْ عن مدرسة سياسية قديمة متجددة عنوانها الواضح: الدولة أولاْ، والسيادة دائمًا.





