في ولاية تبسة حيث تعانق أصالة التاريخ عبق الثورة المجيدة، يسطع اليوم نور جديد من بيت متواضعٍ اختار أهله أن يجعلوا القرآن نبراسا لحياتهم، هناك في التاسعة من عمره فقط، يجلس الطفل أويس عبد الرحمان ثابت وبين يديه كتاب الله، يقرأه بطمأنينة الكبار وإخلاص الصالحين، ليحفظه كاملا عن ظهر قلب، ويصبح أصغر حافظ لكتاب الله في ولاية تبسة.
وبمناسبة الذكرى الحادية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المباركة، قامت مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية تبسة بمبادرة إنسانية وروحية مميزة، تمثلت في زيارة تكريمية إلى منزل هذا الطفل الموهوب، اعترافا بجهوده وتقديرا لأسرته التي غرست فيه حب القرآن منذ نعومة أظافره.
الوفد الذي ترأسه مدير الشؤون الدينية والأوقاف عبد الباقي مبارك ، وضم رؤساء المصالح وعددا من الأئمة والأساتذة، كان يحمل معه رسالة محبة واعتزاز، مؤكدا أن هذه النماذج المشرقة تمثل روح الجزائر التي تجمع بين الثورة والإيمان، بين الوطنية والقرآن.
لم يكن التكريم مجرد لحظة احتفاء، بل كان مشهدا مؤثرا تختلط فيه دموع الفرح بنفحات الإيمان، فحين يقرأ أويس آيات من الذكر الحكيم بصوته الطفولي العذب، تدرك أن هذا الجيل يحمل في قلبه رسالة سامية، وأن القرآن لا يزال يغرس في النفوس نقاء لا تذروه رياح الزمن.
الطفل أويس عبد الرحمان، الذي أتم حفظ كتاب الله في سن مبكرة، تتلمذ على يد الشيخ عبد الكريم بوعكاز، أستاذ التعليم القرآني بمسجد أنس بن مالك، المعروف بعطائه المتواصل في ميدان تعليم وتحفيظ القرآن الكريم. ويعد الشيخ بوعكاز من الكفاءات البارزة في ولاية تبسة، إذ تخرج على يديه عدد كبير من الحفاظ الذين واصلوا مسيرتهم في خدمة القرآن الكريم ، مما جعله قدوة في الإخلاص والتفاني في أداء رسالته التعليمية.
وفي تصريح له، أوضح الشيخ عبد الكريم بوعكاز أن هذا التكريم يمثل تتويجا لجهد مشترك بين المدرسة القرآنية والأسرة، مشيدا بدور العائلات في دعم أبنائها وتشجيعهم على حفظ كتاب الله منذ الصغر. وأكد أن تلميذه أويس يجسد نموذجا متميزا لجيل قرآني واعد يجمع بين الذكاء والاجتهاد والانضباط الأخلاقي، مضيفا أن رسالته التعليمية تقوم على الجمع بين الحفظ والفهم، وغرس السلوك القرآني في الحياة اليومية، لأن “القرآن ليس مجرد نصوص تحفظ، بل هو منهج حياة يبني الإنسان الصالح ويهذب السلوك”.
ولأن الغرس الصالح لا يثمر إلا خيرا، فقد شمل التكريم أيضا أخ الطفل الحافظ الذي يوشك على ختم كتاب الله، في صورة عائلية معبرة تعكس أن البيت الذي يعمره القرآن لا يخلو من النور. كما بادرت العائلة الكريمة، في لفتة نبيلة، بتكريم أستاذ الابن ومديرية الشؤون الدينية والأوقاف عرفانا بجهودهم في نشر التعليم القرآني وترسيخ القيم الدينية في المجتمع.
ويؤكد هذا التكريم، المتزامن مع ذكرى نوفمبر العظيمة، أن رسالة المجاهدين التي حملت مشعل الحرية بالأمس، يواصلها اليوم حفظة القرآن بنور الإيمان والمعرفة، في سبيل الحفاظ على القيم والهوية الوطنية.
إن قصة الطفل أويس عبد الرحمان ثابت ليست مجرد حكاية حافظ صغير، بل هي رسالة أمل تعبر عن ميلاد جيل جزائري جديد ينشأ على محبة القرآن والتمسك بدينه ووطنه، ليبقى نور الجزائر متجددا في أبنائها ما دام في بيوتها من يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار.





