
تسعى الجزائر لتعزيز قيم المواطنة، تبرز في يوميات المواطن سلوكيات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها السلبية.
ومن بين هذه المظاهر، ظاهرة “حجز المقاعد” في حافلات النقل العمومي وقطاراتها باستخدام الحقائب أو الأيدي لمنع الآخرين من الجلوس بحجة “انتظار رفيق”، فهل نحن أمام أزمة وعي أم غياب للرقابة القانونية؟
انتهاك لروح القانون
من الناحية القانونية، يقوم المرفق العام على مبدأ المساواة، فالتذكرة التي يحملها المسافر هي عقد قانوني يمنحه الحق في “شغل مقعد” متاح، ولا تمنحه بأي حال من الأحوال سلطة “توزيع الأماكن” أو حجزها لغير المتواجدين.
إن تحويل المقعد المخصص للمسافرين إلى رفّ للحقائب بينما يقف المسنّ والمريض، هو “تعسف في استعمال الحق” يضرب عرض الحائط بالنظام الداخلي لمؤسسات النقل التي تنص على ضرورة إخلاء الأماكن لذوي الأولوية.
الذاكرة الوطنية.. أخلاق وممارسة
كسفيرة للذاكرة، أرى أن هذا السلوك يتنافى تماماً مع “الرصيد القيمي” الذي ورثناه عن جيل الثورة والتحرير، إن الذاكرة الوطنية ليست مجرد سرد للماضي، بل هي منظومة أخلاقية تقوم على الإيثار احترام الكبير، والشهامة. عندما كان أجدادنا يتقاسمون الرغيف في الجبال، كانوا يرسخون لمفهوم “الجماعة”؛ بينما تعكس أنانية حجز المقاعد اليوم تغليباً للمصلحة الفردية الضيقة على المصلحة العامة.
المواطنة الرقمية والواقعية
في زمن الرقمنة ، أصبح من السهل توثيق هذه التجاوزات ونشرها، لكن الحل لا يكمن في “الفضح الرقمي” بقدر ما يكمن في “التغيير السلوكي”. إننا بحاجة إلى صرامة تنظيمية وذلك من خلال ملصقات واضحة داخل وسائل النقل تمنع هذا السلوك وتحدد عقوبات إدارية للمخالفين.
توعية ميدانية يقودها الشباب وسفراء الذاكرة لإعادة الاعتبار للذوق العام، وشجاعة مدنية من طرف المسافرين للمطالبة بحقهم في المقعد الشاغر بأسلوب حضاري ولكن حازم.
إن رقيّ الدول لا يُقاس بجودة حافلاتها فحسب، بل بطريقة جلوس المواطنين داخلها لأن حجز المقعد بالحقيبة هو “حجز للوعي” وتأخير لقطار التنمية الاجتماعية، فلنجعل من وسائل نقلنا مرآة تعكس أخلاقنا الوطنية وذاكرتنا الأصيلة، لأن المواطنة الحقة تبدأ من احترام أبسط الحقوق،المقعد لمن حضر، والوقار لمن كبر.





