حين تتحول نهايةُ الموسم الدراسي إلى مشهدٍ للفوضى واحتجاجٍ صامت على المدرسة

ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية

عادت إلى الواجهة من جديد ظاهرةُ تمزيق الكتب والكراريس داخل المدارس، وذلك مع إسدالِ الستار على الموسم الدراسي في مشهدٍ بات يتكرر نهايةَ كلِّ سنةٍ.

 تحوّلت ساحات المدارس والمتوسطات والثانويات إلى فضاءاتٍ تغطيها الأوراق الممزقة والكتب الملقاة على الأرض، وسط استياءٍ واسع من الأولياء والأساتذة والمتابعين للشأن التربوي.

وقد تداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع فيديو توثق انتشار الكتب والدفاتر الممزقة قرب بعض المؤسسات التعليمية، حيث ظهرت أكوامٌ من الأوراق والكراريس مرميةً على الأرض في صورةٍ وصفها كثيرون بـ”المؤلمة” و”الصادمة”، لما تعكسه من تراجعٍ في قيمة الكتاب ومكانة المدرسة داخل المجتمع.

ورغم أن هذه السلوكيات لم تكن معروفة بهذا الشكل قبل سنوات، إلا أنها بدأت بالظهور تدريجيًا خلال العقدين الأخيرين، قبل أن تتحول مؤخرا إلى ظاهرةٍ موسمية مرتبطة بنهاية الدراسة، خاصة مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل مباشر في نقل هذه التصرفات وتكرارها بين التلاميذ على سبيل التقليد أو الترفيه أوما يشبه “الاحتفال الجماعي” بانتهاء الموسم الدراسي.

ويرى مختصون في التربية أنّ الظاهرة لم تعد مجرد تصرفٍ عشوائي يقوم به بعض التلاميذ، وانما أصبحت مؤشرًا على أزمةٍ أعمق تتعلق بعلاقة المتعلم بالمدرسة وبالعملية التعليمية ككل ، فبعدما كانت المدرسة في الماضي فضاءً لصناعة الأحلام والطموحات، ومكانًا يربط الطفل بالمعرفة والانتماء، أصبح كثيرٌ من التلاميذ ينظرون إليها اليوم باعتبارها مصدرًا للضغط النفسي والواجبات والامتحانات، وهو ما يدفع بعضهم إلى التعبير عن “التحرر” من هذا الضغط بتمزيق الكتب والكراريس فور انتهاء الدراسة كنوع من الإنتقام الرمزي على المنظمومة التعليمية ككل .

وتشير دراسات تربوية منشورة إلى أنّ الظاهرة ترتبط بعدة عوامل، من بينها ضعف التوعية الأسرية، وتراجع دور المدرسة في غرس ثقافة احترام الكتاب، و كثرة المواد الدراسية والحشو المتبع في المناهج الدراسية إضافة إلى تأثير البيئة الرقمية التي جعلت بعض التصرفات السلبية تتحول إلى سلوك جماعي متكرر.

كما يرى باحثون أن غياب الأنشطة التربوية والثقافية داخل المؤسسات التعليمية، مقابل هيمنة الطابع التلقيني والامتحاني، ساهم في خلق فجوة نفسية بين التلميذ والمدرسة.

ويؤكد الباحثون في علم النفس التربوي أنّ ما يحدث اليوم يكشف تحوّلًا مقلقًا في نظرة الأجيال الجديدة إلى الكتاب المدرسي، الذي كان في السابق يُحتفظ به لسنوات ويُتداول بين الإخوة والجيران للاستفادة منه، بينما أصبح اليوم يُرمى في الشوارع فور انتهاء الامتحانات، في مشهدٍ يطرح تساؤلاتٍ حول فعالية الخطاب التربوي ودور الأسرة والمدرسة في ترسيخ قيم احترام العلم والمعرفة.

ولا تتوقف خطورة الظاهرة عند البعد التربوي فقط، إذ اصبحت ايضا تمتد إلى البعد الأخلاقي والديني، خاصة وأن بعض الأوراق الممزقة قد تحتوي على آيات قرآنية أو أسماء الله الحسنى أو نصوص تربوية ما يجعل رميها على الأرض ودوسها بالأقدام سلوكًا يثير استياءً واسعًا لدى المواطنين.

وفي مقابل هذه السلوكيات السلبية، برزت مبادراتٌ إيجابية في بعض المؤسسات التربوية، حيث قام تلاميذ بتنظيف مدارسهم والمحافظة على محيطها، في صورٍ لاقت إشادة واسعة واعتُبرت نموذجًا يعكس إمكانية غرس ثقافة المسؤولية والانتماء لدى التلاميذ متى توفرت التربية والتوجيه المناسبان.

ويرى مختصون أنّ معالجة الظاهرة لا تكون فقط عبر العقوبات والردع، وانما من خلال إعادة الاعتبار للمدرسة كمجالٍ للتربية قبل التعليم، وربط التلميذ بالمعرفة من خلال الأنشطة الثقافية والتحسيسية، إلى جانب تعزيز دور الأسرة ووسائل الإعلام في نشر ثقافة احترام الكتاب والمحافظة على الممتلكات العامة واعادة ضرورية لضبط المنظمومة والتربوية والمناهج العلمية وفق اساليب معاصرة تركز على شخصية الطالب ومهاراته قبل منهج الحشو والتلقين والحفظ وايضا تكوين نفسي للاساتذة والطاقم التربوي والاداري وذلك لتحسين اسلوب المعاملة والتقريب بين التلميذ والمدرسة .

وبين مشاهد الكتب الممزقة ومبادرات التلاميذ الإيجابية، يبقى السؤال مطروحًا بقوة مع نهاية كل موسم دراسي: هل ما يحدث مجرد فوضى عابرة يمارسها بعض المراهقين، أم أنّه انعكاسٌ حقيقي لأزمةٍ يعيشها النظام التربوي وعلاقة التلميذ بالمدرسة في زمنٍ تغيّرت فيه القيم وتبدلت فيه صورة العلم داخل المجتمع؟

بواسطة
رحاب هناء
المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى