
لم تكن الخيبة التي رافقت اللقاء التشاوري الذي ترأسته رئيسة المرصد الوطني للمجتمع المدني بسطيف وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من سوء الفهم لطبيعة المجتمع المدني ودوره الحقيقي في التنمية وصنع القرار المحلي والانخراط في استراتيجية وطنية تدافع عن المقومات الوطنية.
لقد كشفت المداخلات، التي توالت تباعًا من رؤساء وممثلي الجمعيات المحلية، هشاشة المنظومة أكثر مما حاولت تجميلها الكلمات الرسمية. غابت الرؤى، وتقدمت الشكاوى. اختُزل العمل الجمعوي في البحث عن مقر أو إعانة أو دعوة لحملة تشجير، وكأن المجتمع المدني لم يُخلق إلا ليكون ملحقًا إداريا في خدمة حملات النظافة الموسمية.
إن أخطر ما سُجل في هذا اللقاء ليس ضعف المضمون بقدر ما هو انقطاع الصلة بين ممثلي المجتمع المدني والمسؤولين المحليين. فقد تبين أن أغلب هؤلاء لم يلتقوا مواطنيهم منذ زمن، ولم يستمعوا لهمومهم أو يقيسوا نبض الشارع المحلي. وهنا تتجلى المفارقة: المسؤول المحلي لا يتواصل مع المجتمع.
في المقابل، بدا أن المرصد الوطني للمجتمع المدني لم ينجح بعد في ترسيخ تصور استراتيجي يرقى إلى حجم التحديات الوطنية. فحصر النقاش في “المكنسة الخضراء” و”حملات التشجير” لا يرقى إلى مستوى طموحات الجزائر الجديدة المنتصرة، التي تُراهن على مجتمع مدني واعٍ، مشاركٍ، ومؤثرٍ في رسم السياسات العمومية.
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف المجتمع المدني كقوة اقتراح لا كقوة تنفيذ، وكشريك نقدي لا كملحق بروتوكولي. مجتمع مدني يُشخّص، يُحلل، يُفكر، ويُقدم البدائل، لا يكتفي بالتباهي بالمبادرات الموسمية.
لقد آن الأوان لوقفة صادقة مع الذات، لإصلاح الخطاب الجمعوي من الداخل، وتجديد أدوات العمل، وربط الفعل المدني بالميدان الحقيقي. فحين يستعيد المجتمع المدني رسالته الفكرية والأخلاقية، سنكون أمام مشهد جديد… مجتمع مدني يُراقب لا يُصفّق، يُنقذ لا يُجامل، ويقود لا يُقاد.
✍️: إدريس قديدح





