
هناك نظرات صادقة لا تخطئها العين؛ ففي وسط مستطيل أخضر يغمره ضياء النهار، يقف مدرب شاب محتضناً ثلاثة من أشباله الصغار. تتكاتف أيديهم معاً ليرفعوا عالياً كأساً ذهبية تتلألأ بالفخر والانتصار.
هذا الشاب ذو الملامح الطيبة هو عبد الهادي بوعياد دباغ. اسم بات يمثل رمزاً للتحدي، الموهبة الفطرية والشغف الخالص بكرة القدم. اليوم، كمدرب ومربٍّ للأجيال الناشئة، تصبح مسيرته درساً حقيقياً في الحياة: قصة فني وتكتيكي من طراز رفيع، اختار رغم الإقصاء والظلم خلف الكواليس أن ينقل حبه للعبة إلى جيل الغد.
ثمن الحلم: تضحيات منذ الطفولة
وُلد عبد الهادي في 5 جويلية 2004 بتلمسان، وهو الابن الأصغر في عائلته بين ثلاثة إخوة ذكور. بدا وكأن قدره قد عُقد بالمستديرة منذ خطواته الأولى، حيث كان يداعب الكرة بقدميه وهو لا يزال طفلاً رضيعاً. وكأن الصدفة تأبى إلا أن تصنع مجداً خاصاً؛ فكان أول ملعب يلمس فيه كرة جلدية حقيقية هو ملعب “5 جويلية” التاريخي بالعاصمة. هناك، أصبح المحبوب المدلل للجميع، لتولد رسالته الكروية رسمياً في سن الثامنة تحت ألوان أكاديمية “إيه سي ميلان الجزائر”.
أن تكون موهبة صاعدة يتطلب تضحيات تفوق طاقة البشر. ومع مر السنين، أبهرت موهبته الفطرية كبار الفنيين، حتى أن مدربين أجانب من البرتغال، إيطاليا، وإسبانيا أُعجبوا به بشدة وانبهروا بمهاراته الاستثنائية. ففي كل عطلة نهاية أسبوع، وبرفقة والد مثالي ومضحٍّ، كان عبد الهادي يقطع الطريق الشاق والطويل بين الجزائر العاصمة وتلمسان. لم يكن يهمهما التعب، ولا تلك الليالي التي ناما فيها معاً داخل السيارة لتوفير الجهد والمال؛ كان المستطيل الأخضر هو الهدف الوحيد.
رجل العقيدة والقيم والأخلاق
إلى جانب تميزه الرياضي الكروي، يُعد عبد الهادي نموذجاً للشاب الخلوق وصاحب الروح النقية. فهو إنسان يحترم الصغير والكبير، بارٌّ بوالديه ويضع طاعتهما نصب عينيه، والداه راضيان عليه تمام الرضا ودعواتهما ترافقه في كل خطوة. كما أنه شاب متمسك بدينه؛ فلم يسبق له وأن فوّت صلاته قط. وخلال فترة تواجده في المملكة العربية السعودية لإجراء تجارب أداء رياضية، استثمر هذا الشاب وجوده في البقاع المقدسة ليعتمر ويؤدي 3 عمرات، متزوداً بالقوة الروحية والإيمان لمواجهة الحياة.
جدار الظلم المحبط
مؤخراً، بدا وأن القدر يبتسم له أخيراً في مدينته تلمسان، حيث تم اختياره بعد تجارب أداء مع الفريق المحلي. كانت كلمة الميدان فاصلة ولا تقبل الجدال: عبد الهادي يلعب جيداً، بل جيداً جداً. لكن لكرة القدم كواليس مظلمة أحياناً؛ إذ وقع ضحية لخيارات غير مفهومة من قِبل من يُدعى “مدرباً”، والذي حرمه تماماً من فرصة اللعب وإبراز قدراته.
وراء هذا القرار الرياضي المجحف، تبرز حقيقة مؤسفة. ففي بيئة يُفترض أن تُبنى على الاستحقاق والكفاءة، يبدو أن عبد الهادي دفع ثمن أنبل صفاته: تربيته الأخلاقية العالية، جديته المطلقة، طيبته… وأيضاً، بطريقة غير مباشرة، دفع ثمن “اللقب” أو “اللون”، وهو ظلم يترك غصة أشد ألمًا في بلد مسلم ومجتمع يُفترض أن تسوده قيم الأخوة والعدل والإنصاف.
الصبر يثمر نجاحاً: الولادة الجديدة مع أكاديمية M.A.M
لكن الموهبة والاستقامة لا يمكن طمسهما، ومشهد هؤلاء الأطفال وهم يلتفون حول مدربهم رافعين الكأس هو خير دليل على هذا الانتصار الإيجابي على مرارة الإقصاء. اليوم، التقطت أكاديمية كرة القدم M.A.M بتلمسان الجوهرة التي تجاهلها الآخرون.
بمنحها ثقة قيادة براعمها للشاب عبد الهادي، أكدت إدارة الأكاديمية على نظرتها الثاقبة. في الميدان، تظهر بوضوح معالم الانسجام والمحبة الكبيرة بين الكوتش والأطفال. عبد الهادي لا يلقنهم التكتيك فحسب، بل يمنحهم خلاصة خبرته ويزرع فيهم قيم الروح الرياضية، بعيداً عن التمييز الذي عانى منه. هذه الفرصة لم تكن صدفة، بل هي الثمرة المستحقة لـ “صبر جميل”.
تحية شكر وتقدير
ومن هنا، أتوجه بتحية تقدير حارة لرئيس أكاديمية M.A.M لكرة القدم، السيد قازي ثاني سيدي محمد، وإلى كافة الطاقم الفني والإداري. بثقتكم العميقة في عبد الهادي بوعياد دباغ، لم تكسبوا فقط فنيًا قديراً ومميزاً لتأطير شبانكم، بل أثبتم أن كرة القدم الحقيقية هي تلك التي تعترف بالمستحقين، بأصحاب القلوب الحية والكفاءات العالية.
أما عبد الهادي, فإن قصته الحقيقية بدأت الآن قد تكون الملاعب قد خسرت لاعباً كبيراً، لكن المستقبل كسب مربياً قديراً جداً. بطل الأمس، وموجه الأجيال اليوم وغداً.





