لماذا أصبح إصدار قانوني الولاية والبلدية ضرورة وليس مجرد خيار؟

يعتبران دعامة كبرى للإصلاحات ودعم للتنمية المحلية

بقلم: جوادة أحمد لخضر | مع اقتراب موعد استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات المحلية المقررة قبل نهاية سنة 2026، أجد من الضروري التوقف عند واحد من أهم الورشات التشريعية التي انتظرتها الطبقة السياسية، والمنتخبون المحليون، والإدارة العمومية، ويتعلق الأمر بمشروعي قانون البلدية وقانون الولاية.

وأقولها بوضوح: لا يمكن أن تنطلق عهدة محلية جديدة بمنظومة قانونية تعود إلى أكثر من عقد من الزمن، في وقت عرفت فيه الجزائر منذ ذلك التاريخ تحولات دستورية وسياسية واقتصادية وإدارية عميقة، كان من أبرزها التعديل الدستوري لسنة 2020.

فالإطار القانوني الحالي للجماعات المحلية يستند إلى:

📌 القانون رقم 11-10 المؤرخ في 20 رجب عام 1432 الموافق 22 يونيو سنة 2011، المتعلق بالبلدية.

📌 القانون رقم 12-07 المؤرخ في 28 ربيع الأول عام 1433 الموافق 21 فبراير سنة 2012، المتعلق بالولاية.

وهذان القانونان، رغم أهميتهما في تنظيم عمل الجماعات المحلية خلال السنوات الماضية، أصبحا اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة تواكب التحولات التي عرفتها الدولة والمجتمع والاقتصاد والإدارة، وتستجيب لمتطلبات المرحلة الجديدة.

لقد أدرك رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، منذ بداية عهدته، أهمية إصلاح منظومة الجماعات المحلية، وتجسيدًا لالتزامه الذي قطعه خلال الحملة الانتخابية وعند أدائه اليمين الدستورية، تم تنصيب اللجنة الوطنية لمراجعة قانوني البلدية والولاية، وهي لجنة تعكس في تركيبتها حجم وأهمية هذا الورشة الإصلاحية.

وقد ترأس اللجنة المجاهد ووزير الداخلية والجماعات المحلية الأسبق السيد دحو ولد قابلية، وهو ليس غريبًا عن هذا الملف، باعتباره من الذين أعدوا مشروعي القانونين عند صدورهما سنة 2011 بالنسبة للبلدية وسنة 2012 بالنسبة للولاية.

وضمت اللجنة كذلك السيد عبد الله منجي، الأمين العام لرئاسة الجمهورية، نائبًا لرئيس اللجنة، إلى جانب:

🖋️ خمسة (05) أعضاء من مجلس الأمة؛

🖋️ خمسة (05) نواب من المجلس الشعبي الوطني؛

🖋️ خمسة (05) ولاة؛

🖋️ خمسة (05) رؤساء مجالس شعبية ولائية؛

🖋️ خمسة (05) مديري التقنين والشؤون العامة للولايات؛

🖋️ خمسة (05) رؤساء مجالس شعبية بلدية.

أي أننا أمام تركيبة جمعت مؤسسات الدولة، والبرلمان بغرفتيه، والإدارة المحلية، والولاة، والمنتخبين المحليين، بما يسمح بالاستفادة من مختلف الخبرات والتجارب الميدانية في صياغة إطار قانوني جديد للجماعات المحلية.

وقد باشرت هذه اللجنة عملها على أساس تقييم تجربة أكثر من عقد من تطبيق القانون رقم 11-10 المتعلق بالبلدية والقانون رقم 12-07 المتعلق بالولاية، والوقوف على النقائص والاختلالات التي أفرزتها الممارسة، واقتراح الحلول التي تستجيب للتحولات الجديدة التي عرفتها الجزائر.

♦️ ثم انتقلت هذه الورشة إلى البرلمان بغرفتيه.

وخلال العهدة التشريعية التاسعة، حظي المشروعان بنقاش واسع داخل المجلس الشعبي الوطني، حيث تمت دراسة مختلف موادهما وإثراؤها واقتراح تعديلات وإضافات عديدة، انطلاقًا من الخبرة الميدانية للنواب ومن الانشغالات التي كنا ننقلها عن المواطنين والمنتخبين المحليين عبر مختلف ولايات الوطن.

ولا يفوتني هنا أن أنوه بالدور الذي قام به رئيس المجلس الشعبي الوطني، الأخ إبراهيم بوغالي، الذي أولى هذه الورشة التشريعية أهمية خاصة، وظل يتابع مختلف مراحلها باهتمام، إيمانًا منه بأن إصلاح الجماعات المحلية يمثل إحدى الركائز الأساسية لبناء إدارة عصرية وفعالة.

كما حظي المشروعان بالعناية نفسها داخل مجلس الأمة، وخضعا لدراسة ونقاش مستفيضين، فضلًا عن الإثراء السياسي الواسع الذي ساهمت فيه مختلف الأحزاب، ولا سيما الممثلة في البرلمان، من خلال أوراق العمل والمذكرات والمقترحات التي قدمتها.

ومن أهم الأفكار التي أثيرت خلال النقاش ضرورة تمكين المنتخب المحلي من تجسيد البرنامج الذي انتُخب على أساسه، بما يكرس التعددية السياسية على المستوى المحلي، ويجعل الانتخابات منافسة حقيقية بين البرامج والرؤى، وليس مجرد تنافس على تسيير الشؤون اليومية.

كما تضمن المشروعان إصلاحات مهمة تتعلق بانتخاب رئيس المجلس الشعبي البلدي، وتوفير قدر أكبر من الاستقرار للمجالس المنتخبة، ومنح رؤساء المجالس ضمانات وحماية قانونية أوضح لممارسة صلاحياتهم، والحد من حالات الانسداد التي عرفتها العديد من البلديات.

وشملت الإصلاحات المقترحة كذلك البحث عن آليات جديدة لتنويع مصادر تمويل الجماعات المحلية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وخلق الثروة ومناصب الشغل، وإعادة النظر في توزيع بعض الصلاحيات، وتعزيز دور الولاية ورئيس المجلس الشعبي الولائي في التنسيق والتنمية.

♦️ لماذا أصبح إصدار القانونين ضرورة وليس مجرد خيار؟

لأن التجربة أثبتت أن الإشكال لم يكن دائمًا في المنتخب، وإنما في الإطار القانوني الذي يحكم عمله.

فرئيس المجلس الشعبي البلدي يجد نفسه في كثير من الأحيان بين مطالب المواطنين من جهة، وتعقيد الإجراءات وتداخل الاختصاصات وتعدد هيئات الرقابة من جهة أخرى، وهو ما خلق لدى العديد من المنتخبين تخوفًا من اتخاذ القرار، وأثر سلبًا على وتيرة التنمية المحلية.

إننا لا نستطيع أن نطالب المنتخب المحلي بأن يكون فاعلًا اقتصاديًا وتنمويًا، وأن يجذب الاستثمار ويخلق الثروة ويحسن الخدمة العمومية، بينما لا نوفر له الصلاحيات والموارد والوضوح القانوني والاستقرار المؤسساتي الضرورية للقيام بذلك.

فالبلدية اليوم لم تعد مجرد هيئة لتسيير الإنارة والنظافة والطرقات والحالة المدنية؛ بل يجب أن تتحول إلى فاعل حقيقي في التنمية المحلية، وشريك في خلق الثروة وتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمار.

ومن هنا، فإن إصلاح الجماعات المحلية هو في جوهره إصلاح للتنمية والاقتصاد ومناخ الاستثمار.

♦️ ولهذا أقولها بكل وضوح:

لقد حان وقت إصدار قانون البلدية الجديد وقانون الولاية الجديد، ولا ينبغي أن يبقيا رهينَي الانتظار.

لقد أخذا حيزًا كبيرًا من الدراسة والتشاور والإثراء، على مستوى اللجنة الوطنية، وعلى مستوى الحكومة والإدارة، وداخل البرلمان بغرفتيه، ومن خلال الأحزاب السياسية والمنتخبين والخبراء.

وبالتالي، فإن استمرار تأجيلهما يعني عمليًا تأجيل إصلاح أساسي يمس صميم التنمية المحلية.

وأمام اقتراب الانتخابات المحلية المقبلة، أتمنى أن يرى القانونان النور قبل استدعاء الهيئة الناخبة، حتى تنطلق العهدة الجديدة في ظل منظومة قانونية حديثة، واضحة ومستقرة، تستجيب للتحولات التي عرفتها الجزائر.

وإذا تعذر استكمال المسار التشريعي في الآجال التي تفرضها الرزنامة الانتخابية، فإنني أرى أن اللجوء إلى الآلية الدستورية المناسبة، بما فيها إصدار القانونين بأمرية من السيد رئيس الجمهورية، لأن ذلك ممكنًا دستوريًا وقانونيًا، حتى لا تضيع فرصة إصلاح طال انتظاره.

فالمهم اليوم ليس شكل الأداة القانونية بقدر ما هو وضع هذا الإصلاح موضع التنفيذ وعدم تأجيله مرة أخرى.

نحن أمام ورشة استغرقت سنوات من الدراسة والنقاش والإثراء، وشاركت فيها مؤسسات الدولة والبرلمان والولاة والمنتخبون المحليون والإدارة والخبراء والأحزاب السياسية والمحليات على الأبواب، والعهدة الجديدة يجب ألا تبدأ بعقلية وقوانين العهدة السابقة.

إن الجزائر بحاجة إلى بلديات قوية، وولايات فاعلة، ومنتخبين قادرين على المبادرة واتخاذ القرار، وإدارة محلية أكثر مرونة وفعالية.

والمنتخب المحلي لا يحتاج فقط إلى الثقة؛ بل يحتاج إلى قانون يحمي مبادرته، وصلاحيات واضحة، وموارد كافية، ومسؤوليات محددة، ومحاسبة على أساس النتائج.

إن الدولة القوية تبدأ من بلدية قوية، وولاية فاعلة، ومنتخب يمتلك الصلاحيات ويتحمل المسؤولية ويحاسب على الإنجاز.

ولهذا، فإن إصدار قانون البلدية وقانون الولاية قبل انطلاق العهدة المحلية المقبلة يجب أن يكون أولوية تشريعية وتنموية ووطنية.

فالتنمية لا تنتظر، والمحليات على الأبواب، والجزائر تحتاج اليوم إلى جماعات محلية قادرة على صناعة التنمية، لا مجرد تسييرها.

بواسطة
جوادة أحمد لخضر
المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.
زر الذهاب إلى الأعلى