
عندما تعجز الجهات الوصية عن الحفاظ على حرمة المقابر، فإن الحديث عن تحسين إطار معيشة المواطن يفقد معناه.وما تكشفه مقبرة “تاغدة” بولاية تبسة ليس مجرد مشهد عابر، بل صورة صادمة تعكس حجم الإهمال الذي إستشرى في مرافق يفترض أن تكون الأكثر قدسية واحتراما. وبين القبور، لم تعد تنتشر الزهور والدعوات بالرحمة، بل أكوام النفايات والألبسة المرمية وبقايا الردم، في فضيحة تستوجب المحاسبة قبل أي تبرير.
الصور التي بحوزتنا ليست صورا قديمة، ولا هي مشاهد مفبركة أو معزولة. إنها توثيق صريح لواقع مرير. أكياس قمامة، ألبسة مرمية، أحذية متناثرة، بقايا أشغال بناء، أعشاب وأشواك تحاصر القبور من كل جانب، حتى أصبح الزائر يسير وسط النفايات قبل أن يصل إلى قبر أبيه أو أمه أو أحد أقاربه. أي إذلال أكبر من هذا؟ وأي إستهانة بحرمة الموتى يمكن أن تبلغ هذا الحد؟
المؤلم أن هذا المشهد لا يمكن تبريره بغياب الإمكانيات، لأن تنظيف المقابر لا يحتاج إلى مشاريع بمليارات الدينارات، بل يحتاج إلى مسؤول يشعر بأن المنصب تكليف لا تشريف، وإلى إدارة تعتبر خدمة المواطن واجبا لا مناسبة لإلتقاط الصور. لكن يبدو أن بعض المسؤولين لا يتحركون إلا عندما ترفع الكاميرات، أما حين يتعلق الأمر بكرامة الناس وأمواتهم، فإن الصمت يصبح سيد الموقف.
تبسة اليوم لا تعاني من نقص في الشعارات، بل من أزمة متابعة ومحاسبة. فالإهمال لم يعد يقتصر على طريق أو حي أو مرفق عمومي، بل إمتد إلى المقابر، آخر الأماكن التي يفترض أن تبقى بعيدة عن العبث. وعندما تصل الفوضى إلى قبور الموتى، فهذا يعني أن الخلل لم يعد بسيطا، بل أصبح عنوانا لطريقة تسيير فقدت الإحساس بأبسط الواجبات.
إن بقاء مقبرة “تاغدة” بهذه الصورة هو فشل إداري لا يمكن تجميله بالبيانات ولا تبريره بالصمت. وهو يطرح أسئلة ثقيلة: أين البلدية؟ أين المصالح التقنية؟ أين المنتخبون الذين يظهرون في كل مناسبة للحديث عن التنمية؟ وأين الرقابة التي يفترض أن تتابع مثل هذه التجاوزات؟ إن الصور وحدها تكفي لتوجيه أصابع المسؤولية إلى كل من كان واجبا عليه التدخل ولم يفعل.
هذه ليست مجرد قمامة متناثرة بين القبور، بل شهادة دامغة على أن الإهمال في تبسة تجاوز كل الخطوط الحمراء. واليوم، لم يعد المواطنون ينتظرون بيانات تبرير ولا وعودا موسمية، بل ينتظرون محاسبة حقيقية لكل من قصر في أداء واجبه، ورد الإعتبار لمكان يفترض أن تصان فيه كرامة الموتى، لا أن تداس تحت أكوام النفايات.
إن صمت الجهة الوصية بعد اليوم لن يكون إلا اعترافا بأن ما يحدث أمر عادي في نظرهم. أما بالنسبة لأهالي تبسة، فإن حرمة المقابر ليست ملفا إداريا يمكن تأجيله، بل قضية كرامة لا تقبل المساومة، لأن الأمة التي لا تحترم موتاها، لا يمكن أن تدعي إحترام أحيائها.





