
سيرة ابن باديس.. قراءة تأملية
*✒️ محمد عمر المرحبي*
لا تقاس حياة العلماء بعدد السنوات التي عاشوها. بل بما بثوه من علم وما أيقظوه من وعي وما تركوه من أثر في حياة الناس. ومن هذه النماذج الإمام عبد الحميد بن باديس الذي لم يعش سوى نحو خمسين عاماً لكنه استطاع أن يجعل من التعليم مشروع مقاومة ومن اللغة العربية حصناً للهوية ومن المسجد منطلقاً لإحياء أمة حاول الاستعمار الفرنسي أن يقطع صلتها بدينها وتاريخها.
ولد عبد الحميد بن مصطفى بن باديس في مدينة قسنطينة بالجزائر سنة 1889م ونشأ في أسرة عرفت بالعلم والمكانة الاجتماعية وقد قربته بيئته منذ طفولته من القرآن الكريم فحفظه صغيراً وتلقى مبادئ العلوم العربية والشرعية على عدد من علماء قسنطينة
وكان من أبرز شيوخه في تلك المرحلة الشيخ حمدان الونيسي ولم يقتصر أثر هذا المعلم على تلقينه العلوم بل غرس فيه معنى الاستقلال عن سلطة الاستعمار وأخذ عليه عهداً ألا يتخذ علمه طريقاً إلى خدمة الإدارة الفرنسية
وهنا ظهرت أولى ملامح شخصية ابن باديس فقد أدرك مبكراً أن العالم الذي يصبح تابعاً للسلطة المحتلة يفقد جانباً من قدرته على الإصلاح وأن العلم لا يؤدي رسالته ما لم يحفظ صاحبه استقلال رأيه وصدق انتمائه.
وفي سنة 1908م رحل ابن باديس إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة وكان يومئذ من أهم مراكز العلم في المغرب الإسلامي وهناك لم يتلق العلوم الشرعية واللغوية فحسب بل دخل مرحلة جديدة في تكوينه الفكري. فقد التقى علماء جمعوا بين رسوخ المعرفة والرغبة في تجديد مناهج التعليم وإصلاح أحوال الأمة.
وكان من أبرز هؤلاء الشيخ محمد النخلي القيرواني والشيخ البشير صفر والعلامة محمد الطاهر بن عاشور وقد تخرج ابن باديس في الزيتونة سنة 1912م ثم بقي فيها مدة يدرس قبل أن يغادر تونس بعد أن اتسعت رؤيته وأصبح أكثر وعياً بالعلاقة بين العلم والإصلاح ومقاومة التخلف والاستعمار.
ولم تكن صلته بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور مجرد صلة طالب بأستاذ يؤدي درساً ثم ينصرف بل كانت لقاء بين عقل شاب يبحث عن طريق النهضة وعالم واسع النظر يرى أن علوم الشريعة واللغة لا ينبغي أن تبقى أسيرة الجمود والتقليد.
وقد وصف ابن باديس شيخه ابن عاشور بالرسوخ في العلم والتحقيق في النظر والسمو والاتساع في التفكير وهذه الأوصاف تكشف الجوانب التي استوقفت التلميذ في أستاذه فلم يكن إعجابه بكثرة محفوظاته وحدها بل بطريقة تفكيره وقدرته على النظر والتحليل.
وكان ابن عاشور من العلماء الذين دعوا إلى إصلاح التعليم الزيتوني وإحياء الاجتهاد والعناية بمقاصد الشريعة وربط العلوم بواقع الناس وقد وجد ابن باديس في هذه الروح ما ينسجم مع تطلعه إلى تجاوز التعليم الذي يكدس المعلومات في ذهن الطالب من دون أن يصنع منه مصلحاً قادراً على فهم مجتمعه والتأثير فيه.
ومن أوضح وجوه استفادة ابن باديس من شيخه اتصاله العميق باللغة العربية وآدابها فقد ذكر أنه لا ينسى دروساً قرأها على ابن عاشور من ديوان الحماسة لما وجده فيها من حسن البيان ودقة الفهم وتذوق أساليب العرب.
ولم تكن العناية باللغة عند ابن باديس ترفاً أدبياً بل تحولت بعد عودته إلى الجزائر إلى جزء أساسي من مشروعه الإصلاحي فقد كان الاستعمار يعمل على إضعاف العربية تمهيداً لعزل الجزائريين عن دينهم وتاريخهم.
ومن هنا نفهم أن دفاع ابن باديس عن العربية لم يكن دفاعاً عن وسيلة للتخاطب فحسب وإنما كان دفاعاً عن وعاء يحمل عقيدة الأمة وذاكرتها وشخصيتها ولعل في ذلك أثراً ظاهراً من دروس ابن عاشور الذي جمع بين علوم الشريعة والأدب واللغة وأدرك أن فهم القرآن لا يستقيم من دون ذوق عربي راسخ.
كما استفاد ابن باديس من أستاذه اتساع الأفق والتحرر من ضيق التقليد فقد كان ابن عاشور من المتفاعلين مع الدعوات الإصلاحية التي حملها محمد عبده وكان ذلك في وقت تنظر فيه بعض الأوساط العلمية بريبة إلى كل محاولة للتجديد.
وقد ذكر ابن باديس أن البيئة المحافظة في الزيتونة حاولت صرفه عن الاتصال بابن عاشور ومحمد النخلي بسبب ميلهما إلى الفكر الإصلاحي لكنه اتصل بهما عندما امتلك حرية الاختيار فأفاد من علمهما ونظرهما
غير أن الإنصاف يقتضي ألا ننسب تكوين ابن باديس كله إلى ابن عاشور وحده.
فقد شارك في صناعة شخصيته عدد من العلماء أخذ من الشيخ حمدان الونيسي الاستقلال والوفاء للرسالة وأخذ من محمد النخلي روح الإصلاح ومقاومة الجمود واستفاد من البشير صفر في الاهتمام بأحوال المسلمين وقضايا عصرهم وتأثر كذلك بكتابات محمد عبده ورشيد رضا ثم صقلت رحلاته ولقاءاته تجربته وكان ابن عاشور واحداً من أعظم هؤلاء أثراً ولا سيما في اللغة ومنهج النظر واتساع التفكير.
والأهم أن استفادة ابن باديس من أستاذه لم تتحول إلى تقليد يلغي شخصيته فقد ظل محتفظاً باستقلاله العلمي حتى إنه خالف ابن عاشور في بعض المسائل وناقشه بأدب واحترام.
وهذه علامة التلميذ الناضج فوفاؤه لمعلمه لا يعني أن يوافقه في كل قضية وإنما أن يتعلم منه كيف ينظر ويبحث ويوازن ثم يصل إلى ما يراه حقاً بالدليل فالمعلم الحقيقي لا يصنع نسخاً تكرر أقواله بل يبني عقولاً قادرة على التفكير والنقد والاجتهاد.
وبعد عودته إلى الجزائر بدأ ابن باديس التدريس في مساجد قسنطينة واتخذ من الجامع الأخضر مركزاً لنشاطه العلمي وكان يعلم الكبار والصغار ويشرح القرآن ويعيد وصل الناس بلغتهم ودينهم
ولم يكن يريد تخريج طلاب يحفظون المتون فقط بل كان يسعى إلى بناء جيل يمتلك الوعي والثقة بهويته والقدرة على مقاومة الذوبان الثقافي فقد أدرك أن الاستعمار لا يكتفي باحتلال الأرض وإنما يسعى إلى احتلال العقل وإضعاف الذاكرة وإقناع الشعوب بأنها عاجزة عن النهوض.
ثم انتقل ابن باديس من التعليم المباشر إلى الصحافة فأصدر جريدة المنتقد سنة 1925م ثم أصدر مجلة الشهاب وجعل من الكلمة المكتوبة وسيلة لمواجهة الخرافة والجهل وسياسات الاستعمار وأصبحت الصحافة عنده امتداداً للدرس الذي يلقيه في المسجد فهي تخاطب جمهوراً أوسع وتحمل الفكر الإصلاحي إلى أماكن لا يصل إليها صوته.
وفي سنة 1931م شارك مع نخبة من علماء الجزائر في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتولى رئاستها فأنشأت الجمعية المدارس الحرة ونشرت العربية وربطت الإصلاح الديني بالوعي الوطني.
وكان جوهر مشروعه واضحاً في قوله:
شعب الجزائر مسلم
وإلى العروبة ينتسب
فقد لخص بهذه الكلمات معركته الكبرى وهي حماية هوية شعب أراد الاستعمار إقناعه بأنه منفصل عن الإسلام والعربية وتاريخه الحضاري.
لم يحمل ابن باديس السلاح في مواجهة الإستعمار لكنه حمل ما يسبق السلاح ويمهد له حمل العلم والفكرة واللغة والوعي فقد كان يدرك أن تحرير الأرض لا يكتمل إذا بقي العقل خاضعاً للمستعمر وأن الأمة التي تفقد هويتها قد يخرج المحتل من أرضها ويبقى أثره مستقراً في أفكارها ونظرتها إلى نفسها
توفي عبد الحميد بن باديس في قسنطينة يوم 16 أبريل سنة 1940م لكن المدارس التي أنشأها والطلاب الذين رباهم والوعي الذي بثه أسهمت في تكوين الجيل الذي حمل بعده قضية التحرر.
ولذلك لم يكن ابن باديس قائداً سياسياً بالمعنى التقليدي لكنه صنع الأرض الفكرية والتربوية التي لا تقوم نهضة ولا يتحقق استقلال حقيقي من دونها فقد أدرك أن بناء الإنسان هو البداية وأن الشعوب لا تستعيد حريتها ما لم تستعد وعيها بذاتها
إن سيرة ابن باديس تكشف أن المعلم قد يصنع في مجلس علم صغير ما تعجز عن صنعه مؤسسات ضخمة فقد أخذ ابن باديس عن شيخه ابن عاشور حب العربية والتحقيق في النظر وسعة الفكر ثم نقل هذه المعاني من رحاب الزيتونة إلى مساجد الجزائر ومدارسها وصحافتها.
لكنه لم يكن نسخة من أستاذه بل أخذ منه أدوات التفكير ثم وظفها في مواجهة واقع مختلف وهذه هي أعظم ثمرة يتركها المعلم في تلميذه ألا يطالبه بتكرار أقواله بل أن يمنحه من العلم والمنهج ما يجعله قادراً على بناء تجربته الخاصة.
لقد علم ابن عاشور طالباً جزائرياً لكن ذلك الطالب عاد ليعلم شعباً ويوقظ أمة وأثبت أن طريق التحرر يبدأ من تحرير العقل وأن مقاومة الاستعمار لا تكون بالسلاح وحده بل بالمدرسة واللغة والكتاب وبناء الإنسان.
محمد عمر المرحبي





