أوكرانيا .. الحرب الإعلامية و”إمبراطورية الكذب”

كشفت الحرب الروسية في أوكرانيا، وتداعياتها المتشابكة، عن حجم هائل من النفاق الغربي تجاوز كل الحدود، وعن كم غير مسبوق من المعايير المزدوجة التي لم تقتصر على الميادين السياسية والاقتصادية والمصالح الاستراتيجية للدول، إلى دوائر كانت إلى وقت قريبا تعد بعيدة عن الاستغلال السياسوي، كالرياضة والفنون والثقافة والإعلام.

غير أن ما تميزت به الآلة الإعلامية الغربية من أداء “عنصري” مقيت، في خلال تغطيتها لأحداث الحرب في أوكرانيا، وكذا محاصرتها بشكل انتقائي مخالف لكل دعاوى حرية التعبير والإعلام الحر التي يتغنى بها الغرب، لوسائل الإعلام الروسية، أننا بالفعل كما وصفها بوتين أمام حالة من انكشاف “امبراطورية الكذب” في أكثر صورها قتامة.

فما إن اندلعت شرارة الحرب في أوكرنيا، حتى انتكس الغرب على عقبيه، وانقلب على كل الشعارات البراقة التي ظل يرفعها بخصوص حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، باتخاذه قرارات فورية وسريعة بمنع وسائل الإعلام الرسمية الروسية في الدول الأوربية، وكان القرار الأول هو منع قناة “روسيا اليوم” و”وكالة سبوتنيك” الروسيتين من دول الاتحاد الأوربي.

كما قررت عدد من الدول الأوربية تطبيق حظر على عدد من القنوات الناطقة بالروسية، بدعوى أن تلك القنوات الروسية كما تقول رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين “تنشر أكاذيب الرئيس الروسي، من أجل تبرير حربه ضد أوكرانيا”، على اعتبار أن القنوات الإعلامية الغربية تنشر الحقيقة ولا شيئ غير الحقيقة.

كما قام التحالف الأوربي بتعليق عضوية وكالة “تاس” الروسية، استنادا إلى نفس الادعاءات المرتكزة على قيامها بنشر معلومات منحازة لصالح الطرف الروسي، في حين لا يكاد المراقب يلحظ معلومة واحدة من مختلف وكالات الأنباء الغربية المعروفة تتصف بالحد الأدنى من الموضوعية.

وأدت هذه الأساليب “الفاشية” في مطاردة عمل الإعلام الحر، إلى تحرك لجنة دعم الصحافيين، واستنكارها لتمادي انتهاك الحق في حرية العمل الصحافي وحرية التعبير خلال الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يتعارض مع كل القيم المتعارف عليها حول حرية الرأي والتعبير والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، معتبرة أن ما يحصل هو مقدمة لفرض “التعتيم الإعلامي” لصالح أطراف معينة.

وتجاوز الأمر حدود القنوات والمواقع الإخبارية الرسمية الروسية، إلى حجب عدد من صفحات وسائل الإعلام الروسية من منصات فيسبوك في أوكرانيا، ومن بين المنصات التي شملها الحجب عبر فيسبوك وكالة “نوفوستي” وقناة “زفيزدا” العسكرية وصحيفتا “لينتا.رو” و”غازيتا.رو” الإلكترونيتان.

ولم يتأخر موقع “تويتر” عن الركب، وقامت إدارته بإيقاف الإعلانات في روسيا وأوكرانيا، تحت يافطة “تقليل انتشار المحتوى المسيئ”، وكجزء من ردها على ما سمته العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ومن أجل ما سمته دائما بـ”تحديد محاولات تضخيم المعلومات الكاذبة والمضلِّلة وتعطيلها”.

كما علقت مجموعة “غوغل” الأمريكية إمكانية جني عائدات من مختلف منصاتها بالنسبة لوسائل الإعلام الروسية الرسمية، وعلى رأسها منصة “يوتوب”، مع وقف الاعلانات ذات المصدر الروسي عليها، مع حظر كامل لقناة روسيا اليوم ووكالة سبوتنيك في أوروبا.

ولم يسلم من هذه الهجمة الغربية على المصالح الإعلامية الروسية، سوى موقع “تيك توك” الصيني، وإن بشكل نسبي، حيث تمكنت الأطراف المؤيدة لروسيا من توصيل الأخبار الخاصة بهم، إلا أن الضغوط التي مارسها الأوربيون والأمريكان على العملاق الصيني، أجبرته مع ذلك على حجب قناة “روسيا اليوم” ووكالة “سبوتنيك” أيضا.

وأمام هذا التحامل الغربي غير المسبوق ضد وسائل الإعلام الروسية، أصدر الكرملين قانونا جديدا بسجن أي شخص 15 عاما، لنشر أخبار كاذبة عن الجيش الروسي، مبررا ذلك بأن روسيا تواجه اليوم حربا إعلامية.
كما قامت موسكو بحظر موقع “فيسبوك” داخل روسيا، ردا على قيام فيسبوك بحجب مواقع صفحات الإعلام الروسي على منصته، بالإضافة الى تقييد عمل منصة “تويتر”.

وإلى جانب تلك الإجراءات الروسية المضادة، قامت هيئة الاتصال الروسية بحجب العديد من المواقع الإخبارية الغربية ومنها “إذاعة سفوبودا” ومركزها الولايات المتحدة، وبي بي سي الروسية، وموقع “ميدوزا” ومركزه ليتوانيا.

وقد لخصت التعليقات العنصرية لعدد من القنوات الغربية، حيال تغطيتها لأزمة اللاجئين الأوكرانيين، هذا السقوط الأخلاقي الغربي، في ما يخص المعايير الإعلامية المطلوبة، أين ظهر جليا الفرق في التعاطي مع اللاجئين البيض “الذين يشبهون الأوربيين” واللاجئين من ذوي البشرة السمراء بشكل مقرف وفاضح، على الرغم من أن تلك المنابر الإعلامية ظلت تضع نفسها على مدار عقود طويلة في خانة “منابر حرية التعبير الأولى حول العالم”.

وقد عبرت تعليقات مراسل قناة “سي بي سي نيوز” الأمريكية، ومذيع قناة “الجزيرة الانجليزية”، عن هذا التوجه العنصري الذي لم يشفع لهما فيما بعد محاولاتهما تقديم الاعتذارات.

وهكذا، وبينما يجتهد الإعلام الغربي بتصوير الرئيس بوتين على أنه “هتلر” جديد ظهر في أوربا، لا يتوانى نفس الإعلام التابع لامبراطورية الكذب الكبرى، في تصوير الرئيس الأوكراني زيلينسكي كما فعلت صحيفة “التايمز” البريطانية، على أنه تشرشل جديد.

ولعل أكبر درس يمكن الخروج به من هذه الفضائح الإعلامية المدوية، أن العالم اليوم بعيد كل البعد عن الشعارات البراقة التي يرفعها من يسمي نفسه بـ”العالم الحر”، ويسجل أنه في هذا السقوط المدوي اليوم بمناسبة الحرب الأوكرانية في مجال حرية الرأي والتعبير، ما يكشف لنا نحن العرب على وجه التحديد، حقيقة المغالطات الهائلة وعمليات “غسيل المخ” التي مارسها الغرب بأدواته الامبريالية في حروبه الظالمة علينا في فلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، وهو ما يعطينا غدا ما يكفي من ’’’’’’.

اظهر المزيد

مشروك جلال

جلال مشروك ----------------------------- أمين عام جمعية فنية و ثقافية كاتب صحفي ------------------------------ مراسل وطنية نيوز ولاية العاصمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق