هزيمة الجزائر أمام سويسرا…. هل تكفي إقالة المدرب؟

لقد كشفت خسارة المنتخب الجزائري أمام سويسرا أن الإقصاء لم يكن مجرد نهاية للمشوار في البطولة، إذ شكّل لحظة فارقة عرّت طريقة التفكير التي أحاطت بالمنتخب وجماهيره، أكثر مما كشفت مستواه الفني داخل المستطيل الأخضر.

وبدأت المفارقة قبل مواجهة سويسرا، وتحديدًا عقب التعادل المثير مع النمسا، عندما سادت حالة من الارتياح لدى شريحة واسعة من الجماهير، بعدما اعتقدت أن تجنب مواجهة إسبانيا يمثل الطريق الأسهل لمواصلة المنافسة.

ولم يقتصر الأمر على انطباعات الجماهير فحسب، حيث رصدت وسائل إعلام رياضية دولية هذه التفاعلات، مشيرة إلى أن عددًا من المشجعين لم يبدوا رضاهم عندما سجل رياض محرز هدف التقدم الذي كان سيغيّر ترتيب المجموعة ويقود الجزائر إلى مواجهة إسبانيا، قبل أن يعود شعورهم بالارتياح عقب هدف التعادل النمساوي الذي أعاد المنتخب إلى مسار مواجهة سويسرا.

ومن هنا، يفرض هذا المشهد سؤالًا أكثر أهمية من المفاضلة بين إسبانيا وسويسرا: لماذا أصبح التفكير منذ البداية منصبًا على البحث عن المنافس الأقل صعوبة، بدلًا من التفكير في كيفية هزيمة أي منافس؟

فكما نعلم لطالما بنت المنتخبات الكبرى شخصيتها على الثقة بقدراتها، لا على الحسابات النفسية ولا على تجنب الخصوم. وهذا ما اعتاد عليه الجزائريون في منتخبهم الوطني، الذي كان يدخل المباريات بعقلية المنافسة من أجل الفوز، لا بعقلية البحث عن الطريق الأسهل.

أما عندما تحول التفكير إلى كيفية تفادي مواجهة منتخب بعينه، فإن أولى الهزائم تكون قد وقعت في العقل الجمعي للفريق أولا ولأنصاره ثانيا .. قبل أن تقع فوق أرضية الملعب.

ولعلّ هدف رياض محرز في الدقائق الأخيرة أمام النمسا جسّد هذه العقلية بوضوح، إذ عكس سلوك لاعب كان همه الأول تحقيق الفوز، دون أن ينشغل بهوية المنافس المقبل. وتقوم هذه العقلية على السعي إلى الانتصار مهما كان الخصم، وهي ذاتها التي صنعت شخصية المنتخب الجزائري في أبرز محطاته التاريخية على مدار مبارياته .

ففي المقابل، أكدت تجارب كرة القدم أن الهروب من المنتخبات القوية لا يصنع الإنجازات وهذا تحديداً ما حدث مع منخب الرأس الاخضر والارجنتين ليلة أمس اين استطاع منتخب مستجد ان يلاعب الحاصل على اللقب لأكثر من مرة بكل احترافية مع احتمالية اقصائه من المنافسة بكل ثقة .

وما حدث أيضا في كأس العالم 1982،من تعرض الجزائر لواحدة من أشهر المظالم في تاريخ البطولة، فيما عُرف بفضيحة خيخون، عندما لعبت ألمانيا الغربية والنمسا على نتيجة خدمت مصالحهما المشتركة وأقصت المنتخب الجزائري من الدور الأول الذي كان سيصنع انتقالا تاريخيا للدوري الثاني وهو منخب حديث العهد على المنافسات الدولية .

لتدفع تلك الحادثة الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقًا إلى اعتماد إقامة مباريات الجولة الأخيرة من دور المجموعات في توقيت واحد، حفاظًا على نزاهة المنافسة.

واليوم، اثبتت الخسارة أمام سويسرا أن كرة القدم لا تعترف بالحسابات الورقية، فالمنتخب الذي بدا على الورق أكثر قوة قد يكون قابلًا للهزيمة، بينما قد يتحول المنافس الذي يُنظر إليه باعتباره الأسهل إلى سبب مباشر في الإقصاء.

ولم تتوقف المؤشرات عند نتيجة المباراة فقط حيث أظهرت ردود الفعل التي أعقبت الخروج من البطولة مشكلة أخرى لا تقل أهمية، بعدما انصب جزء كبير من النقاش على المطالبة بإقالة المدرب، وكأن تغيير شخص واحد كفيل بمعالجة جميع أوجه الخلل.

ولا خلاف على أن المدرب يتحمل جزءًا كبيراً من المسؤولية، غير أن اختزال الأزمة في شخصه يثير أسئلة أكثر عمقًا: ماذا عن المنظومة التي يعمل داخلها؟ وكيف تُتخذ القرارات؟ وهل تُجرى مراجعة شاملة للأداء الإداري والفني والطبي والتنظيمي؟ وهل تُحدد المسؤوليات بما يضمن عدم تكرار الأخطاء؟

وفي هذا الإطار اعتمدت الدول التي تمتلك ثقافة رياضية راسخة ومؤسسات قوية على مراجعات شاملة عقب كل إخفاق، فلم تكتفِ بإقالة المدرب، وانما فتحت تحقيقات، وحددت المسؤوليات، ووضعت إصلاحات تمنع تكرار الفشل أما الاكتفاء بتغيير المدرب، فغالبًا ما يبقى استجابة سريعة للغضب الجماهيري أكثر منه معالجة حقيقية لأسباب الإخفاق.

ومن ناحية أخرى، تعكس هذه المواقف أزمة تتجاوز حدود كرة القدم، إذ تغلب العاطفة على جزء كبير من النقاش العام، فتتعالى المطالب بالإقالات والعقوبات، بينما يتراجع الحديث عن الشفافية، والمحاسبة المؤسسية، وحق الجمهور في معرفة كيفية إدارة مؤسساته الرياضية.

لذلك، تمثل المطالبة بمعرفة أسباب الفشل حقًا مشروعًا لكل مواطن يشجع منتخبًا يمثل بلده، ولا تُعد ترفًا إعلاميًا، وانما تشكل إحدى الركائز الأساسية للحوكمة الرياضية الرشيدة.

كما أكدث تجارب عديدة أن تغيير المدرب قد يسهم في تعديل بعض الخيارات الفنية والتكتيكية، لكنه لا يكون كافيًا لتغيير النتائج ما لم تتغير طريقة التفكير التي تُدار بها المنظومة الرياضية.
وفي المحصلة، تحتاج الجزائر، قبل تطوير أسلوب اللعب، إلى تطوير ثقافة التعامل مع المنافسة؛ بالانتقال من عقلية “من نريد أن نتجنب؟” إلى عقلية “كيف نهزم أي منافس؟”

ومن الاكتفاء بالمطالبة بإقالة المدرب إلى المطالبة بمحاسبة المنظومة بأكملها، ومن ردود الفعل الانفعالية إلى ترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة.
فهكذا، تبدأ المنتخبات الكبرى رحلتها من بناء الوعي قبل رسم الخطط التكتيكية، ومن ترسيخ العقلية قبل اختيار التشكيلة.
فعندما يتغير الفكر، يصبح تطور الأداء وتحقيق النتائج الإيجابية نتيجة طبيعية، لا مجرد صدفة عابرة.

 

بواسطة
رحاب هناء
المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى