
تعديلات المناهج.. مختص في علم النفس وعلوم التربية يشرح أين يجب أن يكون الحسم
د. سليمان براجي: مصلحة التلميذ وجودة التعليم يجب أن تكونا الفيصل في أي إصلاح
دعا الأستاذ المحاضر أ بقسم علم النفس بجامعة تبسة، الدكتور سليمان براجي، إلى جعل النقاش الدائر حول التعديلات التي مست بعض المواد التعليمية نقاشا تربويا وموضوعيا، بعيدا عن المواقف المسبقة والسجالات الإيديولوجية، مؤكدا أن معيار الحكم على أي إصلاح تربوي ينبغي أن يكون مدى انعكاسه على مصلحة التلميذ وجودة التعليم.
وأوضح الأستاذ، المتخصص في علم النفس وعلوم التربية، أن الجدل حول هذه التعديلات “طبيعي”، بالنظر إلى إرتباطها بمواد أساسية ومكانتها ضمن المنظومة التعليمية، مشددا على أن نجاح أي تعديل لا يقاس بمجرد حذف مادة أو تقليص حجمها الساعي، وإنما بمدى مساهمته في تخفيف الضغط الدراسي وتحسين نوعية التعلمات.
وأشار إلى أن النقاش المتعلق بالمناهج قد تتداخل فيه أبعاد إيديولوجية وسياسية، خاصة عندما يتعلق الأمر باللغات ومضامين التعليم، غير أنه أكد ضرورة ألا يطغى هذا الجانب على البعد التربوي، بإعتبار أن “المعيار الأساسي في النهاية يجب أن يكون مصلحة التلميذ وجودة التعليم”.
وفي هذا السياق، أبرز الأستاذ براجي أن المناهج التعليمية ترتبط بصورة مباشرة بهوية المجتمع ومستقبل أبنائه، الأمر الذي يجعل أي تغيير فيها موضوعا حساسا وقابلا لتفسيرات متعددة، داعيا إلى إعادة النقاش إلى أسسه العلمية والتربوية بدل تحوله إلى مواقف حادة بين مؤيد ومعارض.
كما لفت إلى أن جزءا معتبرا من النقاش المتداول يستند إلى الإنطباعات والمواقف المسبقة أكثر مما يستند إلى المعطيات العلمية، مؤكدا أن الحسم في مثل هذه القضايا ينبغي أن يتم بالإعتماد على الدراسات والتقييم الموضوعي والمعطيات الميدانية، وليس بكثرة الأصوات المؤيدة أو المعارضة.
وبخصوص دور مواقع التواصل الإجتماعي في النقاش الجاري، اعتبر الأستاذ الجامعي أنها تمثل فضاء للتعبير وإبداء الرأي، غير أنها “ليست المكان الذي يحسم فيه القرار التربوي”، موضحا أن تحديد المناهج والطرائق والحجم الساعي يتطلب خبرة علمية وتربوية ومساهمة المختصين، مع بقاء القرار في نهاية المطاف من مسؤولية مؤسسات الدولة.
وأكد في المقابل أن للمجتمع والأحزاب والمجتمع المدني الحق في المشاركة في النقاش حول السياسة التعليمية، بإعتبار أن التربية شأن عام يمس أبناء المجتمع ومستقبلهم، مع ضرورة التمييز بين المشاركة في النقاش العام وبين التدخل في التفاصيل التقنية التي ينبغي أن تستند إلى رأي الخبراء والمختصين.
ويرى الأستاذ براجي أن الجدل الحالي يتجاوز المادتين المعنيتين بالتعديل، ليعكس نقاشا أوسع حول طبيعة المدرسة التي يراد بناؤها، والمهارات والمعارف التي ينبغي أن يكتسبها التلميذ الجزائري، وكيفية تحقيق التوازن بين الهوية الوطنية ومتطلبات الإنفتاح والعصرنة.
وشدد على أهمية الإنتقال في النقاش من سؤال “مع أو ضد؟” إلى سؤال “ما الدليل؟”، داعيا إلى إجراء دراسات واضحة والإستناد إلى المعطيات الميدانية والإستماع إلى الأساتذة والمختصين، ثم تقييم نتائج الإصلاح بعد تطبيقه.
وأضاف أن الحكم على أي إصلاح تربوي لا يمكن أن يستند إلى رأي خبير واحد أو دراسة واحدة، وإنما يتطلب الجمع بين آراء الخبراء ونتائج الدراسات والمعطيات الميدانية، مؤكدا أن القرار التربوي الجيد “لا يقاس بالنوايا، وإنما بالنتائج التي يحققها فعليا على تعلم التلميذ وتكوينه”.
وختم الأستاذ الجامعي بالتأكيد على أن جوهر النقاش لا يكمن في مجرد حذف مادة أو الإبقاء عليها، وإنما في معرفة ما إذا كانت التعديلات ستجعل المدرسة أكثر فاعلية وتخفف الضغط عن التلميذ وتوفر له تعلمات أساسية تتناسب مع حاجات الجامعة وسوق العمل والمجتمع، متسائلا في هذا الصدد: “ماذا سيعوض ما تم حذفه؟ وما الهدف من التعديل؟ وكيف سنقيس أثره على مستوى التلميذ؟”.





