
بين جن جن والعلمة.. 12 سنة من الانتظار وطريقٌ لا يحتمل مزيدًا من التأخير
زيارة بعد عشر سنوات.. هذه المرة لأرى الطريق لا البحر فقط
لم أزر مدينة جيجل منذ حوالي عشر سنوات، ولذلك قررت أن تكون زيارتي إليها هذه السنة، خلال عطلتي السنوية، مختلفة عن كل الزيارات السابقة. لم أرد أن تكون مجرد زيارة عابرة لاستعادة ذكريات البحر والجبال والطبيعة التي لم تفقد شيئًا من سحرها، وإنما أردت أن أرى بعيني ما تحقق على أرض الواقع، وما بقي ينتظر من مشروع طريق جن جن – العلمة؛ ذلك المشروع الذي طال انتظاره حتى أصبح السؤال عنه يتردد كلما طُرحت قضايا التنمية والاستثمار والنقل في هذه المنطقة: أين وصل طريق جن جن – العلمة؟ وإلى متى سيبقى مشروعًا استراتيجيًا نسمع عنه أكثر مما نراه مكتملًا أمامنا؟
🛣️ جن جن – العلمة ليس طريقًا بين مدينتين… بل ممرًّا نحو اقتصاد جديد
اخترت أن أسلك الطريق من العلمة نحو جيجل، مرورًا ببني عزيز وعين السبت وجيملة وتاكسنة وقاوس، لأنني كنت أريد أن أقرأ المشروع من الميدان لا من التقارير، وأن أرى المسافة الفاصلة بين ما يُقال في الاجتماعات وما يتحقق فعلًا فوق أرض الواقع.
وما شدني وأنا أتنقل بين هذه المناطق أن المشروع في حقيقته ليس مجرد مسافة تختصر بين مدينتين، وإنما هو جزء من تصور اقتصادي أوسع للجزائر التي نريد بناءها؛ جزائر تصل فيها الموانئ بمناطق الإنتاج، والساحل بالهضاب العليا، والمناطق الصناعية بشبكات النقل، والمنتج بالأسواق، والاستثمار بمنافذ التصدير.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن طريق جن جن – العلمة، الممتد على مسافة تقارب 110 كلم، منها نحو 45 كلم بولاية جيجل، و15 كلم بولاية ميلة، و50 كلم بولاية سطيف، لا ينبغي أن يُقاس بعدد الكيلومترات التي ستُنجز فقط، وإنما بحجم القيمة الاقتصادية التي يمكن أن يضيفها عندما يضع ميناء جن جن في اتصال أكثر مباشرة وفعالية مع الهضاب العليا ومناطق النشاط الاقتصادي.
🏛️ من البرلمان إلى الميدان… ملف لم يكن يومًا عابرًا
ومن موقعي كنائب سابق بالمجلس الشعبي الوطني خلال العهدة التشريعية التاسعة، أقول إن هذا المشروع لم يكن يومًا ملفًا عابرًا بالنسبة لنا؛ فقد كان حاضرًا في الجلسات العامة، وفي الأسئلة الشفوية والكتابية، وفي مناقشة قوانين المالية ومخطط عمل الحكومة وبيانات السياسة العامة، كما كان حاضرًا في أعمال اللجان المختصة واللقاءات المباشرة مع المسؤولين والوزراء.
وكان نواب ولايات جيجل وميلة وسطيف، كلٌّ من موقعه، يرفعون هذا الانشغال باستمرار، لأن النظرة إلى الطريق كانت تتجاوز حدود المطالبة المحلية إلى اعتباره مشروعًا ذا أبعاد اقتصادية ووطنية واستراتيجية.
وقد تابعنا الملف داخل البرلمان، كما تابعناه ميدانيًا وعلى مستوى وزارة الأشغال العمومية، وطالبنا في أكثر من مناسبة بتسريع الأشغال ورفع العراقيل، لأن المشاريع الكبرى لا يمكن أن تبقى رهينة للمتابعة والوعود، بل يجب أن تنتقل في مرحلة ما من قاعات الاجتماعات إلى أرض الواقع.
ولم تقتصر المتابعة على النواب والوزارة، بل كان المشروع أيضًا محل زيارات ومعاينات ميدانية متكررة من ولاة الولايات المعنية، جيجل وميلة وسطيف، باعتبار أن نجاح هذا المشروع ينعكس مباشرة على التنمية المحلية وعلى الربط الاقتصادي بين الولايات الثلاث.
📅 13 جانفي 2022… يومٌ كان فيه السؤال عن الطريق حاضرًا
وأتذكر في هذا السياق لقاءنا يوم 13 جانفي 2022 بمقر وزارة الأشغال العمومية مع السيد كمال ناصر وزير الأشغال العمومية، حيث كان طريق جن جن – العلمة من بين الملفات الأساسية التي ناقشناها، خصوصًا ما تعلق بالوضعية المادية والمالية للمشروع والعراقيل التي كانت تعترضه.
وكان النقاش يومها منصبًا على إعادة ترتيب وضعية المشروع، وتسوية الملف الإداري، واستبدال مجمع الإنجاز، إضافة إلى ضرورة تسريع الأشغال وفتح المقاطع التي أصبحت جاهزة.
وقد دخلت بالفعل مقاطع إلى الخدمة، من بينها مقطع العلمة – بني فودة على مسافة تقارب 14 كلم، ومقطع مدخل ميناء جن جن إلى غاية محول الشادية بقاوس على مسافة تقارب 13 كلم وهي خطوات مهمة ينبغي تثمينها.
وكان مطلبنا في كل مرة بسيطًا وواضحًا: انزلوا إلى الميدان؛ لأن حجم المشروع وتعقيداته لا يمكن أن تُختزل في تقارير تُقرأ من خلف المكاتب.
📍 21 جانفي 2025… من الأرقام المعلنة إلى انتظار اكتمال المشروع
ثم جاءت زيارة السيد لخضر رخروخ، وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، إلى ولاية سطيف يوم 21 جانفي 2025، وكانت مدينة العلمة إحدى المحطات المهمة، حيث تم وضع حيز الخدمة للمقطع الأول من منفذ الطريق السيار العلمة – جن جن الممتد إلى بني فودة.
وخلال الزيارة قُدمت عروض حول تقدم الأشغال، وكانت الأرقام المقدمة آنذاك تشير إلى بلوغ نسبة تقدم تقارب 63 بالمائة على مستوى ولاية سطيف، وحوالي 59 بالمائة على مستوى المشروع ككل، مع هدف معلن يتمثل في استكمال المقطع الخاص بولاية سطيف نهاية سنة 2025.
غير أن هذا الهدف لم يتحقق إلى غاية اليوم، وهو ما يجعل من الضروري اليوم طرح السؤال بكل وضوح: أين وصلت الرزنامة التي كانت معلنة؟ وما أسباب عدم الالتزام بالآجال المحددة؟
وفي اليوم نفسه، تم بولاية جيجل وضع حيز الخدمة لمقطع الطريق الممتد على مسافة 13 كلم من مدخل ميناء جن جن إلى غاية محول الشادية بقاوس.
كما أكد السيد الوزير خلال تدخله أنه تم وضع رزنامة لاستلام مقاطع أخرى من المشروع خلال سنة 2025، من بينها أشغال المنشأة الفنية بالنقطة الكيلومترية 27 وأشغال النفق، قبل نهاية السنة؛ وهي آجال لم تتحقق إلى غاية اليوم، الأمر الذي يستدعي الوقوف بجدية على أسباب التأخر.
⚠️ 6 و7 أكتوبر 2025… تعليمات جديدة، فهل حان وقت قياس النتائج؟
وبعد ذلك، وفي يومي 6 و7 أكتوبر 2025، جاءت زيارة السيد عبد القادر جلاوي، وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، إلى ولايات جيجل وميلة وسطيف، وكان طريق جن جن – العلمة حاضرًا مرة أخرى.
ففي سطيف، تمت معاينة الأشغال من النقطة الكيلومترية 74 ببلدية بني عزيز إلى النقطة الكيلومترية 87 ببلدية الدهامشة، مع الاستماع إلى العروض التقنية والوقوف على العراقيل التي ما تزال تعترض المشروع.
وفي جيجل، تمت معاينة الأشغال الجارية على مستوى نفقي تاكسنة.
وكانت التعليمات واضحة في مضمونها: تسريع الأشغال، تدعيم المشروع، توفير الإمكانيات، مرافقة مؤسسة الإنجاز، محاسبة المقصر، ووضع خطة عمل ورزنامة جديدة.
وكل ذلك محل تقدير، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد كل هذه السنوات، هو: أين نحن من تلك التعليمات؟ وما الذي تحقق منها فعلًا فوق الأرض؟
فالمواطن لم يعد يحتاج إلى رزنامة جديدة بقدر ما يحتاج إلى أن يرى الرزنامة السابقة تتحول إلى منشآت مفتوحة أمام حركة المرور.
♦️ إرادة رئيس الجمهورية… ورشاتٌ مفتوحة تستحق التقدير، والمرحلة الآن مرحلة الحسم
لقد أولى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون أهمية واضحة للبنية التحتية، وأعاد الاعتبار للعديد من المشاريع الكبرى التي كانت متوقفة أو متعثرة، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الجزائر لا تستطيع بناء اقتصاد قوي ومتنوع دون طرق وموانئ وسكك حديدية ومطارات وشبكات نقل وطاقة ومياه.
وفي هذا السياق، لا بد من تثمين الإرادة السياسية التي أولاها السيد رئيس الجمهورية لإعادة بعث المشاريع الكبرى، وفتح ورشات واسعة في مختلف قطاعات الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، والدفع نحو استكمال المشاريع المهيكلة التي تمثل أساسًا حقيقيًا للتنمية الاقتصادية.
لقد أعادت الدولة خلال السنوات الأخيرة فتح ورشات كبرى في الطرق السيارة والطرق الوطنية والمنافذ والموانئ والسكك الحديدية، ودُفعت مشاريع ذات طابع استراتيجي إلى الأمام، انطلاقًا من قناعة واضحة بأن الجزائر الجديدة لا يمكن أن تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بالمنشآت التي تُنجز، والطرق التي تُفتح، والموانئ التي تُربط، والسكك التي تمتد، والمناطق الاقتصادية التي تُخدم ببنية تحتية قادرة على مواكبة الاستثمار والإنتاج والتصدير.
وتقدير هذه الإرادة السياسية لا يعني الاكتفاء بالإشادة بها، وإنما يعني حمايتها من التعثر، وضمان وصولها إلى نهايتها الطبيعية: مشروع مكتمل، جاهز للاستغلال، ويصنع قيمة مضافة حقيقية.
فإذا كانت الإرادة السياسية قد فتحت الطريق، فإن مسؤولية أجهزة التنفيذ اليوم هي أن تُكمل المسار؛ لأن قوة القرار السياسي تقاس في النهاية بما يتحول منه إلى إنجاز ملموس فوق الأرض.
ومن هذا المنبر، أجدد تقديري للسيد رئيس الجمهورية على ما تم فتحه من ورشات كبرى في قطاع الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، وعلى الرؤية التي جعلت من البنية التحتية إحدى ركائز التنمية الاقتصادية، وأرفع في الوقت نفسه نداءً صريحًا بأن يحظى مشروع جن جن – العلمة بمتابعة خاصة تتناسب مع أهميته الاستراتيجية.
⏳ 2014 – 2026… اثنا عشر عامًا من الانتظار
لقد بدأ المشروع سنة 2014، ونحن اليوم في سنة 2026؛ أي أننا نتحدث عن اثني عشر عامًا كاملة.
اثنا عشر عامًا تغيرت خلالها حكومات، وتعاقب وزراء، وتبدلت مؤسسات إنجاز، وتعددت الدراسات، وعُقدت الاجتماعات، وصدرت التعليمات، وتوالت الزيارات الوزارية والميدانية، وتابع الملف نواب وولاة ومسؤولو الولايات المعنية، وأعيد بعث المشروع وتسوية بعض عراقيله القانونية والإدارية والتقنية أكثر من مرة.
ومن باب الإنصاف، لا يمكن إنكار ما تحقق خلال السنوات الأخيرة، ولا تجاهل الجهود التي بُذلت لإعادة إطلاق الأشغال ومعالجة عدد من الصعوبات.
المطلوب اليوم هو متابعة استثنائية تتناسب مع حجمه وأهميته، ورزنامة واقعية وملزمة، ومسؤوليات محددة، وتمويل مضمون، ومتابعة ميدانية مستمرة، ورفع سريع لكل العراقيل التقنية والإدارية والمالية، مع محاسبة واضحة لكل من يثبت تقصيره.
🎯 جن جن – العلمة… من مشروع طرقي إلى رهان اقتصادي وطني
إن طريق جن جن – العلمة ليس طريقًا إضافيًا في شبكة الطرق الوطنية فحسب؛ إنه مشروع يمكن أن يمنح ميناء جن جن موقعًا اقتصاديًا أكثر قوة، وأن يربطه بمناطق الإنتاج والاستهلاك، وأن يدعم الصناعة والتجارة، ويخفض تكاليف النقل واللوجستيك، ويفتح آفاقًا أوسع أمام الاستثمار والتصدير.
وعندما نتحدث عن جن جن – العلمة، فإننا في الحقيقة نتحدث عن منظومة اقتصادية متكاملة: ميناء، طريق سيار، سكك حديدية، مناطق صناعية، مناطق لوجستية، استثمار وتصدير.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمشروع؛ فهو لا ينقل السيارات والشاحنات فقط، وإنما يمكنه أن ينقل الاقتصاد نفسه إلى مستوى آخر من الفعالية والتنافسية.
🌊 عندما يكتمل الطريق… يبدأ طريق آخر للتنمية
تخيلوا فقط المشهد عندما يكتمل المشروع: سفينة تصل إلى ميناء جن جن، وشاحنات تغادر الميناء في اتجاه الهضاب العليا عبر طريق سريع وآمن، والمواد الأولية تصل إلى المصانع في آجال أقصر، والمنتجات تجد طريقها إلى الأسواق الوطنية والخارجية بتكاليف أقل، والمناطق الصناعية تستفيد من قربها من الميناء، والاستثمار يجد بنية تحتية قادرة على مواكبته، والتصدير يصبح أكثر سهولة وفعالية.
عندها فقط نفهم لماذا لا ينبغي النظر إلى جن جن – العلمة باعتباره مجرد مشروع طرقي، بل باعتباره أحد مفاتيح بناء ممر اقتصادي حقيقي يخدم الجزائر.
وإذا كانت الجزائر قد استطاعت أن تعيد بعث مشاريع كبرى وأن تفتح أوراشًا استراتيجية في مختلف ربوع الوطن، فإنها قادرة أيضًا على أن تجعل من جن جن – العلمة قصة نجاح وطنية، لا فصلًا جديدًا من قصة الانتظار.
✍️ كلمة أخيرة…
جن جن – العلمة .. رهان اقتصادي وطني والجزائر التي استطاعت أن تفتح هذه الورشات من جديد، قادرة على أن تغلقه بالإنجاز.





