
البيض: المسجد العتيق ببوسمغون منارة دينية تختزل قرونا من التاريخ
يعد المسجد العتيق بقصر بوسمغون بولاية البيض، أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية التي تزخر بها المنطقة، لما يحمله من قيمة روحية وتراثية تعكس عمق الذاكرة الجماعية للمنطقة ومكانتها في تاريخ الحركة العلمية والدينية بالجنوب الغربي للجزائر.
ويتموقع هذا الصرح الديني وسط القصر العتيق لمدينة بوسمغون، في نسيج عمراني تقليدي يتميز بأزقته الضيقة ومبانيه الطينية، حيث ظل المسجد على مر السنين جزءا أساسيا من الحياة اليومية للسكان ومركزا للعبادة والتعليم الديني.
ويمتد المسجد على مساحة تقارب 210 أمتار مربعة، ويستند سقفه إلى 31 سارية، فيما تميزه منارة مربعة الشكل تعد من أبرز عناصره المعمارية، إلى جانب طابعه العمراني المنسجم مع خصوصيات القصور الصحراوية القديمة.
ولم تقتصر وظيفة المسجد العتيق على إقامة الشعائر الدينية، بل احتضن على مدار فترات طويلة حلقات تحفيظ القرآن الكريم والدروس الدينية، وأسهم في تكوين أجيال من حفظة كتاب الله وطلبة العلم، ليشكل بذلك فضاء للإشعاع الروحي والثقافي بالمنطقة.
وتتعزز المكانة الروحية لبوسمغون بارتباطها بالزاوية التجانية وخلوة سيدي أحمد التجاني، التي جعلت من المنطقة مقصدا للزوار والباحثين والمهتمين بالتراث الديني، لاسيما من خلال ما تزخر به من معالم وشواهد تاريخية مرتبطة بتاريخ التصوف والتعليم الديني.
وتشير الروايات المحلية إلى أن المسجد عرف عبر مختلف الحقب عمليات ترميم وتوسعة حافظت على طابعه الأصيل، فيما تعرض جزء من رصيده الوثائقي والتراثي للضياع خلال الحقبة الاستعمارية، خاصة ما تعلق بالمخطوطات والوثائق التي كانت مرتبطة بالحياة العلمية والدينية للمنطقة.
ورغم ما تعاقب عليه من أحداث وتحولات، لا يزال المسجد العتيق يؤدي وظيفته الدينية ويستقبل المصلين والزوار، شاهدا على استمرارية الموروث العمراني والروحي لبوسمغون.
ويشكل هذا المعلم اليوم جزءا من الذاكرة التاريخية للمنطقة، بما يجعله بحاجة إلى مزيد من التثمين والحماية والتعريف بقيمته، باعتباره شاهدا حيا على جانب من تاريخ العمارة الإسلامية والحياة الدينية والعلمية في الجنوب الغربي الجزائري.
عبدالقادر مكاوي





