المحامي راشدي جواد محمد الأمين يثمن التوجه نحو تشديد عقوبة الحرائق العمدية: حماية الأرواح والثروة الوطنية مسؤولية جزائية ووطنية
إن التوجيه الذي أصدره السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يوم 30 أوت 2026، خلال جلسة العمل المخصصة لمعالجة مخلفات وآثار الحرائق، والمتعلق بضرورة تعديل قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر، بما يتضمن إقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ ضد المتورطين في إضرام الحرائق عمدًا، هو توجيه يعكس إرادة واضحة في التعامل مع هذه الأفعال بما يتناسب مع جسامتها وخطورتها على المجتمع.
فالحديث هنا لا يتعلق بمجرد إتلاف للغابات أو أضرار مادية، وإنما بأفعال قد تمتد آثارها إلى الإنسان في حياته وسلامته الجسدية، وإلى الممتلكات والثروة الغابية والبيئية، بل وإلى الأمن العام ومصالح المجتمع ككل، خاصة عندما يكون إشعال النار متعمدًا ومصحوبًا بقصد إحداث أكبر قدر من الضرر.
وما عرفته بعض ولايات الوطن، وعلى رأسها ولاية جيجل، التي عاشت فاجعة حقيقية بما خلفته من وفيات، رحم الله ضحاياها وأسكنهم فسيح جناته، يبين بوضوح أن الحرائق عندما تبلغ هذا الحجم لا تبقى مسألة بيئية فقط، وإنما تتحول إلى خطر حقيقي على الأرواح والممتلكات، وتفرض على الدولة والمجتمع التعامل معها بمنطق الحماية والردع والمساءلة.
كما أن ولاية سعيدة، ولايتي، لم تكن بمنأى عن ظاهرة الحرائق، وهو ما يجعلني أرى أن حماية الغطاء الغابي والثروة الوطنية من الإتلاف العمدي ليست مسألة تخص منطقة دون أخرى، وإنما هي مسؤولية وطنية تتطلب سياسة جزائية واضحة وحازمة، خصوصًا أمام أفعال يمكن أن تكون لها آثار متعدية على الإنسان والبيئة والاقتصاد والنظام العام.
ومن الناحية القانونية، فإن المرجع الأساسي هو الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو سنة 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم، لا سيما بموجب القانون رقم 24-06 المؤرخ في 28 أبريل سنة 2024. وتندرج النصوص ذات الصلة ضمن الكتاب الثالث: الجنايات والجنح وعقوباتها، الباب الثاني: الجنايات والجنح ضد الأفراد، الفصل الثالث: الجنايات والجنح ضد الأموال، القسم الثامن: الهدم والتخريب والأضرار التي تنتج عن تحويل اتجاه وسائل النقل.
كما أن قانون العقوبات يعالج الأفعال العمدية المرتبطة بإضرام النار، ولا سيما من خلال المادة 396، فيما تتضمن المادة 399 أحكامًا مشددة عندما تترتب عن الحريق العمد نتائج تمس حياة الأشخاص أو سلامتهم الجسدية. ومن ثم، فإن التوجيه الرئاسي يأتي في سياق مراجعة تشريعية تستهدف تعزيز الحماية الجزائية وتشديد الردع بالنسبة للأفعال العمدية التي تستهدف الغابات وتخلف آثارًا بالغة الخطورة.
وأثمن، بهذه المناسبة، توجه السيد رئيس الجمهورية نحو تعديل قانون العقوبات في هذا الاتجاه، لأن السياسة الجنائية لا تقاس فقط بعدد النصوص والعقوبات الموجودة فيها، وإنما بمدى قدرتها على حماية المصالح التي يحميها القانون، وتحقيق الردع العام والخاص، وترسيخ احترام النظام العام، وإيصال رسالة واضحة إلى كل من تسول له نفسه الإقدام على مثل هذه الأفعال بأن الاعتداء العمدي على الغابات وما قد ينتج عنه من مساس بالأرواح والممتلكات والثروة الوطنية لن يكون محل تساهل.
وفي هذا الإطار، فإن تشديد العقوبة لا ينبغي أن يفهم بمعزل عن فلسفة العقاب في القانون الجزائي، وإنما باعتباره إحدى وسائل السياسة الجنائية في مواجهة السلوك الذي يبلغ من الجسامة درجة تستوجب حماية المجتمع منه. فالعبرة ليست فقط بالفعل المادي المتمثل في إشعال النار، وإنما كذلك بالقصد الجنائي، وبطبيعة المصلحة المحمية، وبالنتائج التي كان من شأن الفاعل أن يتوقعها أو يسعى إلى تحقيقها.
ومن يثبت قضائيًا أنه أقدم عمدًا على إشعال الحرائق، وهو عالم بما يمكن أن تترتب عنها من نتائج، لا يمكن أن ينظر إلى فعله باعتباره مجرد مخالفة عابرة، وإنما باعتباره سلوكًا إجراميًا بالغ الخطورة يستوجب المساءلة والجزاء بما يتناسب مع جسامة الفعل والنتائج المترتبة عنه. وفي المقابل، تبقى المسؤولية الجزائية مرتبطة بثبوت الأفعال والقصد والمسؤولية وفق القانون، مع احترام كامل لاختصاص القضاء وضمانات المحاكمة العادلة ومبدأ الشرعية الجزائية.
إن خطورة الحرائق العمدية تكمن أيضًا في قابليتها للانتشار واتساع آثارها بصورة يصعب التحكم فيها، فقد تبدأ بفعل فردي محدود، ثم تتحول في وقت قصير إلى خطر يهدد قرى ومناطق كاملة، ويعرض حياة المواطنين وممتلكاتهم للخطر، ويلحق أضرارًا بالثروة الغابية والبيئية، ويستنزف إمكانيات الدولة في عمليات الإخماد والإنقاذ وإعادة التأهيل.
إن الحرائق العمدية قد تتحول إلى وسيلة تدميرية جماعية تمس مقومات المجتمع في أمنه وحياته وثروته وبيئته؛ ولذلك فإن مواجهتها لا ينبغي أن تقتصر على إخماد النار بعد اشتعالها، وإنما يجب أن تمتد إلى تجفيف منابع الفعل الإجرامي، وكشف مرتكبيه، وإعمال القانون في حقهم، وتحقيق الردع الذي يحول دون تحويل النار إلى أداة للإضرار بالمجتمع.
الأستاذ راشدي جواد محمد الأمين، محامٍ معتمد لدى المجلس بمنظمة المحامين ناحية سعيدة





