
يشكل انتخاب الدكتورة خليدة بوفدش رئيسةً للمجلس الشعبي الوطني حدثًا سياسيًا بارزًا في تاريخ المؤسسة التشريعية الجزائرية، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان منذ تأسيسها سنة 1977. ولا يمكن قراءة هذا التطور باعتباره مجرد تغيير في الوجوه أو تداولًا طبيعيًا للمناصب، بل يندرج ضمن مؤشرات التحولات التي تشهدها الحياة السياسية والمؤسساتية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ إقرار دستور 2020 وما تبعه من إصلاحات سياسية وقانونية، برز توجه واضح نحو توسيع مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، سواء داخل الحكومة أو الهيئات الدستورية أو المجالس المنتخبة. ويأتي انتخاب رئيسة للمجلس الشعبي الوطني ليمنح هذا المسار بعدًا رمزيًا ومؤسساتيًا جديدًا، ويعكس إرادة في تعزيز حضور الكفاءات النسوية في أعلى هرم المؤسسات الدستورية.

ومن زاوية أخرى، يحمل هذا الانتخاب رسالة سياسية تتجاوز البعد المتعلق بتمثيل المرأة، إذ يعكس توجهًا نحو إسناد المسؤوليات إلى شخصيات تجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة المهنية والعمل الميداني. فخليدة بوفدش تنتمي إلى خلفية طبية وإدارية قبل انخراطها في العمل السياسي، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو منح الكفاءة المهنية مساحة أكبر في إدارة الشأن العام.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تدخلها المؤسسة التشريعية، حيث تواجه تحديات تتعلق بتعزيز جودة العمل البرلماني، والارتقاء بالأداء التشريعي، وتكثيف الرقابة على العمل الحكومي، إلى جانب مواكبة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.
كما أن انتخاب امرأة على رأس البرلمان يعزز صورة الجزائر على المستوى الإقليمي والدولي في ما يتعلق بتمكين المرأة سياسيًا، خاصة أن التجارب المقارنة تشير إلى أن رئاسة البرلمانات من قبل النساء أصبحت إحدى المؤشرات التي تعتمدها العديد من الهيئات الدولية عند تقييم مستويات المشاركة السياسية.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في رمزية الحدث بحد ذاته، وإنما في قدرة المؤسسة البرلمانية، بقيادتها الجديدة، على إحداث نقلة نوعية في الأداء. فالمواطن ينتظر برلمانًا أكثر حضورًا في معالجة انشغالاته اليومية، وأكثر فاعلية في التشريع والرقابة، وأكثر انفتاحًا على المجتمع وقضاياه.
وفي السياق ذاته، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة المجلس الشعبي الوطني على ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز التنسيق مع مختلف المؤسسات الدستورية، وتحويل النقاشات البرلمانية إلى أدوات عملية تسهم في تحسين السياسات العمومية.
ويبقى انتخاب الدكتورة خليدة بوفدش محطة سياسية لافتة في تاريخ البرلمان الجزائري، تحمل دلالات تتعلق بتجديد النخب، وتعزيز مشاركة المرأة، وترسيخ مسار الإصلاح المؤسساتي. أما الحكم على هذه التجربة، فلن يرتبط بكونها الأولى من نوعها، بل بما ستنتجه من أداء تشريعي ورقابي، وبمدى قدرتها على جعل المجلس الشعبي الوطني أكثر تأثيرًا في الحياة السياسية وأكثر قربًا من تطلعات المواطنين.





