
من مراكز التعذيب إلى الأسلاك المكهربة.. مجاهدون يستحضرون جرائم فرنسا بالطارف
ليست ذكرى أول نوفمبر مجرد محطة لاستحضار تاريخ الثورة التحريرية المجيدة، بل هي موعد للعودة إلى ذاكرة الرجال الذين عاشوا أهوال الاستعمار الفرنسي، وحملوا في صدورهم حكايات موجعة عن القتل والتعذيب والتشريد، وعن شعب اختار طريق الحرية مهما كان الثمن. ومن ولاية الطارف، وتحديدا من ذاكرة مجاهدي الناحية الشرقية للوطن، تعود فصول من تلك المرحلة الدامية، بشهادات حية تختزل حجم المعاناة وقوة الصمود أمام آلة الاستعمار الغاشمة.
وفي هذه الذكرى الـ72 لاندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954، تقودنا شهادات المجاهدين إلى صفحات من تاريخ المنطقة، حيث لا تزال الذاكرة تحتفظ بتفاصيل جرائم ارتكبتها القوات الفرنسية في حق السكان العزل، وبمشاهد لا تزال عالقة في أذهان من عايشوها، جيلا بعد جيل، لتبقى تضحيات الشهداء والمجاهدين شاهدة على عظمة ثورة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل ملحمة شعب آمن بحقه في الحياة والحرية والاستقلال.
المجاهد كرميش حمادة، ابن بلدية وادي الزيتون بولاية الطارف، يستحضر جانبا من تلك المآسي التي عاشتها المنطقة، مستعيدا ما تعرضت له عدة دواوير، من بينها أم حصان، والڨراقير، وبن شايب، والغرفة، من تقتيل وتشريد وتنكيل، في إطار سياسة استعمارية قائمة على الترهيب والضغط العسكري، ومحاولة انتزاع أسرار الثورة من السكان وإجبارهم على الكشف عن تحركات أبطالها ورفقاء السلاح.
لكن، ورغم قسوة الممارسات الاستعمارية، لم تفلح أساليب التعذيب والتخويف في كسر إرادة الأهالي أو انتزاع روح المقاومة من نفوسهم، فقد كان حب الوطن أقوى من الخوف، وكانت العزيمة أكبر من كل أشكال القمع، في مشهد يعكس حجم التضحيات التي قدمها أبناء المنطقة في سبيل أن تنعم الجزائر بالحرية.
وبنبرة تستحضر وجع الماضي، يروي المجاهد تفاصيل مروعة عن ممارسات داخل مراكز التعذيب والقتل، وعن أساليب وحشية وصلت، حسب شهادته، إلى تقطيع جثامين الضحايا، في مشاهد تحولت إلى كوابيس بقيت محفورة في ذاكرة من عايشوها. وهي جرائم لا تزال بعض المواقع التي احتضنتها شاهدة على فظاعتها، على غرار مركز التعذيب خبوشة، ومركز برجيلي، ومركز منطقة بوڨرماعة، وغيرها من الأماكن التي ارتبطت بصفحات سوداء من تاريخ الاستعمار الفرنسي بالمنطقة.
ومن جهته، يستعيد المجاهد شرقي عبد الله، الذي لم يكن يتجاوز السادسة من عمره آنذاك، صورا من طفولته التي طبعتها مشاهد القهر والخوف، مستحضرا ما تعرض له المدنيون العزل من تعذيب وتنكيل وقتل على أيدي القوات الفرنسية. ورغم مرور السنوات الطويلة، لا تزال تلك الوقائع حاضرة في ذاكرته، يسترجعها بحزن بالغ، باعتباره شاهدا على مآس إنسانية لم يكن ضحاياها يحملون سوى حلم العيش في وطن حر.
كما تعود الشهادات إلى استحضار خطي شال وموريس، الممتدين من نواحي تبسة إلى القالة، وما مثّلاه من منظومة عسكرية استعمارية اعتمدت على الأسلاك الشائكة المكهربة لإحكام الحصار ومراقبة الحدود وقطع طرق الإمداد، في محاولة لخنق الثورة ومحاصرة امتدادها. غير أن تلك الحواجز، رغم خطورتها وما خلفته من معاناة، لم توقف مسيرة الكفاح، ولم تنل من إصرار الجزائريين على مواصلة النضال حتى انتزاع الاستقلال.
إنها شهادات لا تستحضر الألم من أجل البكاء على الماضي فحسب، بل من أجل صون الذاكرة الوطنية ونقل الحقيقة إلى الأجيال الصاعدة، حتى تدرك أن الحرية التي تنعم بها اليوم لم تكن هبة، وإنما ثمرة تضحيات جسام، دفع خلالها الجزائريون أرواحهم وأعمارهم ثمنا لاسترجاع السيادة الوطنية.
ففي نوفمبر، شهر النضال والقرار الحاسم، تتجدد العبرة من تاريخ صنعه رجال ونساء آمنوا بالجزائر، وواجهوا أقسى أشكال الاستعمار بإرادة لا تلين، لتظل شهادات المجاهدين أمانة في أعناق الأجيال، وذاكرة وطن لا ينسى تضحيات أبنائه.





