سيمون بوليفار محرّر قارة أمريكا الجنوبية من الاستعمار الإسباني

تحتفل العديد من دول أمريكا اللاتينية في 24 جويلية بيوم سيمون بوليفار الذي يعتبر شخصية رمزية في أميركا الجنوبية ويعتبره البعض إحدى أساطيرها،قام بتحرير العديد من دول أمريكا اللاتينية التي كانت خاضعة للاستعمار الإسباني منذ القرن السادس عشر مثل كولومبيا وفنزويلا والإكوادور و البيرو و بوليفيا و بنما، حتى وصف بأنه “الليبرتادور” أي ” المحرّر” لأمريكا الجنوبية وأطلق اسمه على دولة بوليفيا ومن هنا نسلط الضوء على الأسئلة التالية: كيف كان تكوين بوليفار؟ بمن تأثر فكريا؟ كيف كانت مسيرته السياسية ؟ لماذا يعتبر محرر قارة أمريكا الجنوبية ؟.
المولد و النشأة:
ولد سيمون بوليفار في 24 جويلية 1783 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، انتمى “سيمون” إلى عائلة ثرية تعود أصولها إلى أوروبا واستقرت في جنوب أميركا منذ القرن الـ16 حيث عمل أفراد عائلته في الإدارات الاستعمارية.
والده كان يدعى “خوان فينسنت بوليفار”وهو عسكري ينتمي إلى مجموعة “المنتوس” أي كبار مالكي الأراضي الزراعية، و والدته تدعى “دنيا ماريا بالاسيوس”وهي أيضا من عائلة ثرية.
توفي والده عندما كان يبلغ من العمر 3 سنوات و توفيت والدته بعدها بـ6 سنوات، وبعد ذلك أدار عمه ميراثه واهتم بتعليمه ودراسته.
عالم الطبيعة الألماني “ألكسندر فون همبولت” كان المؤثر الرئيسي لدفع “سيمون” لتحرير أميركا اللاتينية.
الدراسة والتكوين:
كان أحد هؤلاء المعلمين الذين اختارهم عمّه هو “سيمون رودريغيز” الذي كان له تأثير عميق و دائم عليه، حيث وجّهه نحو قراءة كتابات المفكرين العقلانيين الأوروبيين أمثال: “جون لوك ,توماس هوبز, شارل مونتسكيو”، و خاصة “جان جاك روسو” الذي أثرعلى توجهاته السياسية و “فرنسوا فولتير” الذي أثر كثيرا في فلسفته في الحياة.
ورغم انحدار “بوليفار” من طبقة اجتماعية راقية و ثرية مكّنه هذا الأمرمن تلقي تعليم جيد، كان يرفض اتباع القواعد الاجتماعية، وغير مستقر نفسيا نظرا لفقدانه والديه في سن مبكرة وبشكل مفاجئ.
التأثير الفكري:اهتم بقراءة كتب “روسو” وأخذ عنه قواعد الأدب الكلاسيكي والفلسفة الليبرالية وهو لم يتجاوز الـ16 من العمر.
في نهاية القرن الـ18 تصاعدت الأزمة الاقتصادية في إسبانيا وألقت بظلالها على مستعمراتها، وبدأت الأفكار في التخلص من الهيمنة التجارية الإسبانية، فبدأت الأفكار الثورية في التبلور والانتشار شيئا فشيئا جنوب القارة الأميركية.
سنة 1798 و بتشجيع من عمّه انضم “سيمون بوليفار” إلى كتيبة “المتطوعين البيض” الثورية، وانطلاقا من سنة 1799 بدأ سلسلة من الرحلات و الأسفار قادته إلى القارة الأوروبية.
وصل “سيمون بوليفار” سنة 1799 إلى إسبانيا حيث استقبله عمه المقرب من البلاط الملكي ومن الملكة على وجه الخصوص، وعاين من خلال هذه التجربة كيف تحاك المؤامرات في دوائر الحكم والسلطة وتكون في تلك الفترة على يد “ماركيز أستاريز” الذي كان رجلا مثقفا ومكّنه من اكتشاف الفنون والآداب.
بعد إعلان استقلال فنزويلا تولى “فرانسيسكو ميراندا” قيادة جيش الجمهورية .
سنة 1804 وأثناء وجوده في باريس التقى “بوليفار” بعالم الطبيعة الألماني “ألكسندر فون همبولت” الذي كان قد عاد من أميركا الجنوبية التي قضى فيها 5 سنوات متتالية، وخلال إحدى الجلسات التي جمعتهما تحدث “همبولت” ل”بوليفار” عن الموارد الطبيعية الهائلة التي تمتلكها القارة اللاتينية، واتفقا على أن تحرير هذه الشعوب سيجعل مستقبلها زاهرا.
وقال “همبولت” ل”بوليفار” أعتقد أنّ بلدك فنزويلا مستعد لنيل استقلاله، لكنني لا أرى الشخص الذي يمكنه تحقيق ذلك، هذه الجملة غيّرت مسار حياة “بوليفار” و قرر بعدها أن يكون الشخص الذي يحرر بلاده من الاستعمار الإسباني.
في السنة نفسها حضر “سيمون بوليفار” تتويج “نابليون بونابرت” إمبراطورا لفرنسا، وتراوحت ردة فعل “بوليفار” على التتويج بين الإعجاب بإنجازات الرجل و التعجب من خيانته لمبادئ الثورة الفرنسية.
المسيرة السياسية:
الطموح والمجد:عاد “بوليفار” إلى فنزويلا سنة 1807 ليعمل على تحرير بلاده و ليطلق سنة 1808 حركة استقلال أميركا اللاتينية، حيث أدى غزو “نابليون” لإسبانيا إلى زعزعة السلطة الإسبانية لكنه فشل في محاولته كسب دعم المستعمرات الإسبانية التي تمسكت بأحقيتها في ترشيح مسؤوليها.
شارك “بوليفار” في اجتماعات مختلفة لتحقيق هذا الهدف وفي 19 أفريل 1810 جُرّد الحاكم الإسباني رسميا من سلطاته وطُرد من فنزويلا وتولى المجلس العسكري زمام الأمور.
أُرسل “بوليفار” في مهمة إلى لندن بهدف الحصول على المساعدة الدولية التي وصل إليها في جويلية 1810، وكانت مهمته أن يوضح للمملكة وجهة نظر بلاده المستعمرة الثورية لكسب الاعتراف بها والحصول على الأسلحة والدعم.

فشل “بوليفار” في مفاوضاته الرسمية لكن استثمر رحلته في نواح أخرى، حيث أتيحت له فرصة دراسة مؤسسات المملكة المتحدة التي مثلت له نماذج للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى نجاحه في إقناع الفنزويلي المنفي “فرانسيسكو دي ميراندا”الذي حاول عام 1806 تحرير بلاده بمفرده بالعودة إلى “كراكاس” وتولي قيادة حركة الاستقلال.
التوجه السياسي:في عام 1811 اجتمع مؤتمر وطني في “كاراكاس” لصياغة دستور٫ أعلن “بوليفار” في أول خطاب علني “دعونا نضع حجر الزاوية للحرية الأمريكية دون خوف فالتردد هو الموت “.
وبعد مداولات طويلة أعلنت الجمعية الوطنية استقلال فنزويلا في 5 جويلية 1811. ودخل “بوليفار” جيش الجمهورية الفتية التي كان قائدها الرئيسي “ميراندا”، تم تكليفه بقيادة الدفاع عن ميناء “بورتو كابيلو” وهو ميناء على البحر الكاريبي غرب “كاراكاس” كان حيويا لفنزويلا.
وكان “بوليفار” و”ميراندا” قد تباعدا بعد وقت قصير من اجتماعهما في لندن و وصف “ميراندا” “بوليفار” بأنه “شاب خطير” وكان لدى “بوليفار” مخاوف بشأن قدرات الجنرال المسن.
وفي ذلك الوقت حققت القوات الإسبانية انتصارات فدخل “ميراندا” في مفاوضات مع القائد الإسباني العام. وتم توقيع هدنة جويلية 1812 تركت البلاد بأكملها تحت رحمة إسبانيا واحتجزت القوات الإسبانية “ميراندا”.
المناقشات والمؤتمرات:نجح “بوليفار” في مغادرة البلاد وذهب إلى غرناطة الجديدة وهناك نشر ما عرف بـ “بيان قرطاجنة” حيث اعتبر أن سقوط جمهورية فنزويلا الأولى إلى عدم وجود حكومة قوية ودعا إلى جهد ثوري موحد لتدمير سلطة إسبانيا في الأمريكتين.
وبدعم من الوطنيين الجدد في غرناطة، قاد “بوليفار” قوة لاستعادة فنزويلا فهزم الملكيين في 6 معارك ضارية ودخل كاراكاس في 6 أوت 1813.
أين حصل “بوليفار” على لقب المحرر واستحوذ على سلطات واسعة وصفها البعض بأنها نوع من الديكتاتورية السياسية.
وكانت حرب الاستقلال قد بدأت حيث كان معظم سكان فنزويلا معاديين لقوى الاستقلال و ضجروا من التضحيات المفروضة فاندلعت حرب أهلية قاسية، ولجأ “بوليفار” نفسه إلى إجراءات صارمة كإطلاق النار على السجناء.
وفي عام 1814 هزم “بوليفار” على يدي الإسبان الذين حولوا رعاة البقر بقيادة “خوسيه توماس بوفز” إلى سلاح فرسان غير منضبط ، لم يتمكن بوليفار من صده وأنزل “بوفز” بالوطنيين فظائع رهيبة واستولى على “كاراكاس “والمدن الرئيسية الأخرى لتسقط الجمهورية الفنزويلية الثانية.
فهرب “بوليفار” إلى “غرناطة الجديدة “ومنها فر إلى جامايكا وفي المنفى حول “بوليفار” طاقاته نحو الحصول على دعم من بريطانيا فكتب “رسالة جامايكا “التي قال فيها إن الشعب الذي يحب الحرية سيكون حرا في النهاية.
تحرير غرناطة الجديدة:
في عام 1817 قرر بوليفار إنشاء مقر في منطقة نهر أ”ورينوكو” التي لم تكن قد دمرتها الحرب ولم يتمكن الإسبان من الإطاحة به.
واستعان بخدمات عدة آلاف من الجنود والضباط الأجانب ومعظمهم من البريطانيين والأيرلنديين وأسس عاصمته في “أنجوستورا” وأصدر صحيفة وأنشأ شبكة اتصال مع القوات الثورية في السهول.
وفي 1819 فاجأ “بوليفار” الإسبان في معركة “بوياكا” الحاسمة حيث استسلم الجزء الأكبر من الجيش الملكي “لبوليفار” وبعد ثلاثة أيام دخل “بوغوتا”عاصمة كولومبيا الحالية وكان هذا العمل نقطة التحول في تاريخ أمريكا الجنوبية.
وفي ديسمبر عام 1819 ظهر “بوليفار” أمام المؤتمر الذي اجتمع في “أنجوستورا” وأصبح رئيسا وديكتاتورا عسكريا٫ وحث المشرعين على إعلان قيام دولة جديدة وبعد ذلك بثلاثة أيام تم إنشاء جمهورية كولومبيا.
وفي 1823 وصل “بوليفار” إلى ليما عاصمة بيرو حيث وقعت المعركة الكبرى الأولى وانتصر فيها بوليفار بسهولة في 9 ديسمبر 1824 و خسر الحاكم الإسباني معركة أياكوتشو واستسلم مع جيشه بأكمله.
وبعد تحرير البيرو ظلت منطقة في أعالي البلاد بيد القوات الملكية ولم يتم تحريرها حتى عام 1825 وقد اختارت هذه المنطقة التي باتت دولة جديدة ان تتسمى باسم المحرر “بوليفيا”.
وفي ذلك الوقت صاغ “بوليفار” دستورا أظهر مرة أخرى ميوله الاستبدادي فقد بات رئيسا مدى الحياة,وعندما حاول “سيمون بوليفار” توحيد أمريكا الجنوبية كلها تحت سلطته في اتحاد فيدرالي عام 1826 واجه صعوبة كبيرة واضطر لاتخاذ سلطات دكتاتورية لتوحيد البلاد وقد زادت تلك الإجراءات من حدة هجوم خصومه السياسيين و وصل الأمر إلى تدبير محاولة لاغتياله في عام 1828 التي نجا منها بأعجوبة.
الوفاة:
توفي سيمون بوليفار سنة 1830 في سانتا مارتا الكولومبية عن عمر ناهز 47 عاما متأثرا بمرض السل بعد أن حُرم من منصبه ومعاشه العسكري.

 

بواسطة
قردي شرف الدين
اظهر المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق