
من الخطوبة إلى الزواج.. الكيان يعقد قرانه على المروكية
لم يعد مسار التطبيع الذي تنتهجه الرباط مجرد “نزوة” سياسية أو اتصالات خجولة تُدار في الغرف المغلقة وتُبرر بأعذار المصالح المشتركة. لقد سقطت الأقنعة تماماً؛ وما كان يُسوَّق بالأمس كفترة “خطوبة” سياسية حذرة، تحول اليوم وبكل صفاقة إلى “زواج” علني ومكتمل الأركان مع الكيان المحتل، في انتقال يعكس انسلاخاً كاملاً عن ثوابت المنطقة.
وما يجعل هذا العناق السياسي أشد بشاعة واستفزازاً، أنه يُعقد على وقع أنهار من الدماء ومآسٍ لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً في فلسطين. ففي الوقت الذي تغلي فيه الشعوب العربية غضباً، اختار النظام المغربي الإيغال في هذا المسار، ليثبت أن “لجنة القدس” لم تكن يوماً سوى خيمة بالية نُصبت لتغطية رقصاته على جراح الفلسطينيين، وأن الحجج الظرفية لم تكن إلا تمهيداً لسياسة خذلان ثابتة.
أمام هذا الانزلاق المريع، يغلي الشارع المغربي بانقسام حاد يفضح عمق الأزمة. فمن جهة، تقف أصوات حرة تصرخ في وجه صانع القرار بأسئلة حارقة: بأي حق تُرهنون سيادة البلاد وتتوسعون في التعاون مع كيان يرتكب إبادة جماعية؟ ومن جهة أخرى، يبرز تيار “العياشة”، الذي أدمن الانحناء وتقبيل الأيادي، ليرتمي دون ذرة خجل في أحضان السفاحين، مهللاً ومطبلاً لقرارات من يدّعي زوراً أنه “أمير للمؤمنين”.
هذا المشهد المتناقض في الداخل المغربي يضعنا أمام حقيقة تاريخية وأخلاقية لا تقبل اللبس: إن خطيئة التطبيع لا تنسحب بأي شكل من الأشكال على الشعب المغربي الحر، فالشعوب الأبية لا تُختزل في قرارات حكومات مارقة. إنما تقع اللعنة والمسؤولية حصراً على من يملك قلم السياسة الخارجية، وعلى تلك الحفنة المطبلة التي باعت كرامتها لتبرير أفعال دنيئة. لقد باتت ألاعيب النظام مكشوفة أمام محكمة الرأي العام، وتبخرت شعاراته الدبلوماسية الجوفاء أمام دماء الضحايا.
واليوم، وبعد أن طُويت صفحة “الخطوبة” وأُعلنت مراسم هذا الزواج السياسي المشؤوم، فإن السؤال لم يعد مقتصراً على استنكار التطبيع، بل يتجاوز ذلك نحو المجهول المرعب: إلى أي هاوية سحيقة سيقود هذا التحالف الرباط؟ وما هو الثمن السيادي الفادح الذي سيُدفع من طاولة المخزن مقابل تثبيت علاقة غير شرعية ملطخة بالعار والدماء؟
شخاب نبيل عبد النور





