
محمد بن كموخ : المنظمة الجزائرية للصحافة الإلكترونية.. رؤية جديدة لبناء إعلام رقمي قوي ومحترف
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي الجزائري، وخصوصا مع تنامي دور الصحافة الإلكترونية وتوسع حضورها في الفضاء الرقمي، تبرز الحاجة إلى أطر تنظيمية ومهنية قادرة على مواكبة هذا التطور، والدفاع عن مصالح العاملين في القطاع، والمساهمة في الارتقاء بمستوى الأداء الإعلامي.
وفي هذا السياق، تتجه جهود مجموعة من مهنيي الإعلام الرقمي إلى تأسيس المنظمة الجزائرية للصحافة الإلكترونية، كإطار جمعوي متخصص يسعى إلى توحيد جهود المؤسسات والصحفيين العاملين في هذا المجال، والمساهمة في تنظيم القطاع وتطويره، وتعزيز حضوره ضمن المشهد الإعلامي الوطني.
وفي هذا الحوار، يتحدث السيد محمد بن كموخ، رئيس اللجنة التحضيرية لتأسيس المنظمة الجزائرية للصحافة الإلكترونية، عن خلفيات المبادرة، وأهدافها، ورؤيتها لمستقبل الصحافة الرقمية في الجزائر، إلى جانب تقييمه للإطار القانوني والتنظيمي الحالي والتحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية الإلكترونية.
_ ما هي الدوافع الأساسية التي أدت إلى المبادرة بتأسيس المنظمة الجزائرية للصحافة الإلكترونية في هذا الوقت بالتحديد؟
دعني أذكركم أولا بأن مبادرة تأسيس منظمة للصحافة الإلكترونية جاءت امتدادا لمبادرتنا السابقة الرامية إلى تشكيل تنظيم نقابي، شرعنا في بلورته منذ حوالي ثلاث سنوات، غير أننا اصطدمنا ببعض الإشكالات التي حالت دون تفعيل هذا التنظيم.
ومن هذا المنطلق، ارتأينا مراجعة الفكرة والتوجه نحو تنظيم جمعوي خاص بالصحافة الإلكترونية، وهو المسار الذي قطعنا فيه شوطا كبيرا من خلال وضع الآليات التنظيمية والقانونية، بالتنسيق مع زملائنا في مختلف المؤسسات الإعلامية الإلكترونية، حيث لقيت المبادرة تجاوبا واسعا في الوسط الإعلامي، ولا سيما في الأوساط المهنية الرقمية.
وتستمد مبادرتنا عمقها أيضا من دعوات السيد رئيس الجمهورية المتكررة إلى ضرورة تكفل الصحفيين ضمن نقابات وتنظيمات مهنية، بما يجعلهم أكثر قوة وتنظيما وتنسيقا للدفاع عن أنفسهم، وعن مكتسباتهم، وعن الإنجازات والخيارات التي تمس قطاع الإعلام.
ولا شك أن الفضل في بعث الصحافة الإلكترونية وتقنينها ومرافقتها يعود بدرجة كبيرة إلى الإرادة السياسية التي جسدها السيد رئيس الجمهورية، حيث تم وضع أول إطار قانوني يرخص للنشاط الإعلامي عبر الإنترنت، ويتعلق الأمر بـالمرسوم التنفيذي رقم 20-332 المؤرخ في 22 نوفمبر 2020، المحدد لكيفيات ممارسة نشاط الإعلام عبر الإنترنت ونشر الرد أو التصحيح عبر الموقع الإلكتروني.
وقد سمح هذا الإطار القانوني بظهور العشرات من الصحف والقنوات الإلكترونية، قبل أن يتم الارتقاء بالتنظيم القانوني للقطاع من خلال القانون رقم 23-19 المؤرخ في 2 ديسمبر 2023، المتعلق بالصحافة المكتوبة والصحافة الإلكترونية، والذي جاء لتحديد المبادئ والقواعد المنظمة لهذا النشاط وحرية ممارسته.
وقد حمل هذا القانون تغييرات مهمة تهدف إلى تنظيم الصحافة الإلكترونية بشكل أكثر فعالية ومهنية، لا سيما ما تعلق بشروط ومسؤوليات مدير النشر، الأمر الذي دفع المؤسسات الإعلامية إلى تكييف أوضاعها معه، وهو ما انعكس ميدانيا على مستوى الأداء الإعلامي.
وأصبحت الصحف والقنوات الإلكترونية أكثر جذبا للمواطن، وفرضت نفسها كبديل إعلامي يساير تكنولوجيا الاتصال والتواصل، بل إن التجربة الجزائرية في مجال الصحافة الإلكترونية أصبحت تجربة لافتة على المستويين العربي والدولي.
كما أن مرافقة الدولة لهذا القطاع، من خلال إجراءات عملية تهدف إلى إنعاش المؤسسات الإعلامية الرقمية، أعطت دفعا إضافيا للصحافة الإلكترونية.
وفي هذا السياق، جاءت الدعوة إلى إيجاد آلية جديدة لتمويل المؤسسات الإعلامية الرقمية، من خلال إلزامية نشر الصفقات العمومية في الصحف الإلكترونية، وهو ما تجسد في المادة 46 من قانون الصفقات العمومية التي تنص على نشر الصفقات في جريدتين إلكترونيتين على الأقل، قبل أن يتم تفعيل هذا التوجه من خلال مقرر وزاري مشترك بين وزارتي الاتصال والمالية في أوت 2025.
ومن هنا، جاءت مبادرة تأسيس المنظمة الجزائرية للصحافة الإلكترونية تلبية لهذه الدعوات، وفي سياق السعي إلى وضع آليات تنظيمية للقطاع، بما يجعله يستجيب لطموحات منتسبيه في مزيد من العطاء والإبداع والتطور في مختلف المجالات الإعلامية
_ كيف تساهم المنظمة في سد الفراغ التنظيمي والدفاع عن حقوق ومصالح الفاعلين في الإعلام الرقمي؟
من الطبيعي أن حداثة الإعلام الرقمي في الجزائر، وقصر تجربته منذ تقنينه في قانون الإعلام وما تلاه من مراسيم وقوانين، جعلاه في بداياته حبيس تنظيمات إعلامية مهنية عامة، وهو ما قلص، إلى حد ما من وزنه ودوره في إبراز أهميته وفعاليته وقوته على الساحة الإعلامية.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى وضع تنظيم خاص بالصحافة الإلكترونية، بحكم التجربة والخبرة التي راكمها أصحاب المؤسسات والعاملون في هذا القطاع.
ونحن نرى أن المنظمة يمكن أن تكون الإطار القانوني الذي يجمع منتسبي القطاع حول رؤى واضحة، تتجه نحو الخيارات الأساسية للدولة الجزائرية في جعل الإعلام الرقمي أداة قوية للدفاع عن البلد، وعن مؤسساته وتوجهاته، وعن طموحات الشعب الجزائري، والتصدي في الوقت نفسه للحملات التضليلية والمغرضة التي تستهدف الجزائر.
وفي المقابل، فإن دور المنظمة لا يقتصر على هذا الجانب، وإنما يتمثل كذلك في رفع مستوى الأداء الاحترافي، وتجاوز سلبيات الماضي، ومواكبة التطور الذي يشهده الإعلام الرقمي العالمي، الذي فرض نفسه اليوم كبديل متنامٍ للإعلام الكلاسيكي.
وهذا يتطلب اكتساب التكنولوجيا الحديثة والاستفادة من أدواتها، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستفادة من إمكانات الجيل الخامس وغيرها من التقنيات التي أصبحت جزءا أساسيا من مستقبل الإعلام.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا من خلال توحيد الرؤى ووضع خطة عمل واضحة وخريطة طريق للإعلام الرقمي في الجزائر، مع وضع آليات عملية لتحقيق هذه الأهداف الكبرى، وعلى رأسها التكوين والتأهيل المستمر للصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية الإلكترونية
_ما هو موقف الهيئة المشرفة من مدى ملاءمة قانون الإعلام الحالي مع متطلبات وتحديات الصحافة الإلكترونية في الجزائر؟
في تقديرنا، جاء القانون العضوي للإعلام شاملا ومتكاملا، وجسد جانبا مهما من مطالب أسرة الإعلام في الجزائر، كما دفع نحو تنظيم القطاع من خلال تحديد الحقوق والواجبات في إطار أخلاقيات المهنة.
ولعل من أهم مكاسب هذا القانون أنه تضمن الصحافة الإلكترونية لأول مرة في تاريخ التشريعات الإعلامية الجزائرية، وهو أمر مهم جدا بالنظر إلى التحولات التي عرفها قطاع الإعلام.
غير أن القانون يبقى بحاجة إلى استكمال نصوصه التطبيقية، وهذا ما نادينا وننادي به منذ سنوات، لا سيما ما تعلق بإنشاء سلطة ضبط الصحافة المكتوبة والصحافة الإلكترونية، ومجلس أخلاقيات المهنة، والقانون الأساسي للصحفي.
ومن شأن هذه النصوص أن تحدد بشكل أوضح كينونة الصحفي وشروط ممارسة المهنة، خصوصا في ظل اتساع رقعة الدخلاء على القطاع وما نتج عن ذلك من مظاهر فوضى مهنية.
لذلك، فإن إصدار النصوص التطبيقية المرتبطة بالقانون العضوي للإعلام أصبح ضرورة، حتى يتم ترسيخ القواعد الأساسية لممارسة مهنة الصحافة على أسس قانونية وأخلاقية ومهنية، والوصول إلى مستوى أعلى من الاحترافية، بما يسمح بتحقيق الأهداف التي سطرتها الدولة لتنظيم قطاع الإعلام.
ومن جهة أخرى، لا تزال الصحافة الإلكترونية بحاجة إلى دعم مباشر لإنعاش مؤسساتها الإعلامية، إذ إن العشرات منها أصبحت مهددة بالتوقف نتيجة ضعف الإمكانات المالية وتراكم التكاليف والديون.
ولهذا طالبنا بمنح الصحافة الإلكترونية المعتمدة حق الاستفادة من إشهار الصفقات العمومية الذي أقره السيد رئيس الجمهورية لفائدة المؤسسات الإعلامية الرقمية، وتعميمه على مختلف الصحف الإلكترونية المعتمدة، وفقا لقانون الصحافة المكتوبة والإلكترونية وتنفيذا للمقرر الوزاري المشترك.
كما ندعو إلى تفعيل صندوق دعم الصحافة الذي أقره قانون المالية منذ سنتين، والذي يمكن أن يشكل آلية مهمة لإنقاذ المؤسسات الإعلامية، ومساعدتها على الاستمرار والتطور والقيام بدورها في المشهد الإعلامي الوطني.
كلمة أخيرة
إن تأسيس المنظمة الجزائرية للصحافة الإلكترونية لا نريده مجرد إطار جمعوي جديد يضاف إلى الساحة الإعلامية، وإنما نريده مشروعا مهنيا حقيقيا يساهم في تنظيم القطاع والدفاع عن منتسبيه، ويرفع مستوى الأداء ويواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة.
نحن أمام مرحلة جديدة من الإعلام، والإعلام الرقمي أصبح واقعا لا يمكن تجاوزه، ولذلك فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نعمل على بناء صحافة إلكترونية جزائرية قوية، محترفة، مسؤولة وقادرة على المنافسة، وأن نمنح العاملين فيها فضاء للتكوين والتطوير والتنسيق والدفاع عن حقوقهم.
والهدف في النهاية هو أن تكون الصحافة الإلكترونية الجزائرية شريكا فاعلا في بناء الوطن، وفي الدفاع عن مصالحه، وفي نقل انشغالات المواطن، وفي مواكبة مسار التنمية والتحول الرقمي الذي تشهده الجزائر.





