أين يكمن مفتاح النهضة؟

قراءة في فكر مالك بن نبي

كثرت الكتب التي تحدثت عن أسباب تراجع العالم الإسلامي وتعددت النظريات التي حاولت تفسير التخلف الحضاري الذي تعيشه كثير من المجتمعات لكن القليل من المفكرين استطاعوا أن يقدموا رؤية متماسكة تجمع بين تشخيص الداء واقتراح العلاج كما فعل المفكر الجزائري مالك بن نبي.

لم يكن مالك بن نبي مشغولاً بالحديث عن الماضي من أجل البكاء عليه ولا بالانبهار بالغرب من أجل تقليده بل كان منشغلاً بسؤال أكثر عمقاً: لماذا تتقدم أمم وتتأخر أخرى؟ وكيف يمكن لأمة امتلكت في يوم من الأيام أسباب الريادة أن تعود مرة أخرى إلى دائرة الفاعلية والحضور الحضاري؟

جاءت أهمية مشروعه الفكري من أنه لم يبحث عن المشكلة خارج الأمة وحدها بل بحث عنها داخلها أيضاً فقد رأى أن الاستعمار لم يكن سبب التخلف الوحيد بل إن هناك ظروفاً داخلية جعلت بعض المجتمعات عاجزة عن مقاومة التخلف أو تجاوز آثاره ومن هنا طرح فكرته الشهيرة حول القابلية للاستعمار وهي فكرة أثارت جدلاً واسعاً لكنها كانت محاولة للفت الانتباه إلى أن نهضة الأمم تبدأ من مراجعة الذات قبل تعليق كل الإخفاقات على الآخرين

كان مالك بن نبي يؤمن أن الحضارة لا تُشترى من الأسواق ولا تُستورد في الحاويات ولا تُبنى بمجرد تشييد المباني الشاهقة أو اقتناء أحدث التقنيات فكم من دولة امتلكت المال الوفير لكنها لم تستطع أن تصنع مشروعاً حضارياً حقيقياً وكم من أمة كانت محدودة الإمكانات لكنها استطاعت أن تصنع تاريخاً مؤثراً لأنها امتلكت الإنسان القادر على تحويل الإمكانات البسيطة إلى إنجازات كبيرة

ومن هنا جاءت معادلته الشهيرة التي اختصر فيها شروط بناء الحضارة: الإنسان والتراب والوقت.

فالإنسان هو المحرك الأول لأنه صاحب الفكرة وصانع القرار ومنفذ العمل والتراب يمثل الموارد والإمكانات المتاحة للأمة أما الوقت فهو الثروة التي لا يمكن تعويضها إذا ضاعت وحين تتفاعل هذه العناصر الثلاثة تفاعلاً صحيحاً تنشأ الحضارة وتزدهر

غير أن مالك بن نبي لم يكتفِ بذكر هذه العناصر بل حاول أن يلفت النظر إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة التعامل معها. فالموارد قد تكون موجودة لكن سوء الإدارة يهدرها والوقت قد يكون متاحاً لكن غياب الانضباط يبدده والإنسان قد يكون متعلماً لكنه يفتقر إلى روح المبادرة والإنتاج

ولهذا كان يؤكد أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة أشياء بقدر ما هي أزمة أفكار فالأشياء يمكن شراؤها أو تصنيعها أما الأفكار فهي التي تصنع الأشياء وتوجهها وتحدد طريقة استخدامها

ومن أبرز ما يلفت النظر في فكره اهتمامه الكبير بالثقافة فهو لا ينظر إليها بوصفها مجرد معلومات تحفظ أو كتب تقرأ بل يعدها البيئة التي تتشكل داخلها شخصية الإنسان فالثقافة عنده هي التي تحدد طريقة التفكير ونظرة الفرد إلى العمل وعلاقته بالمجتمع ومدى احترامه للوقت والنظام والجمال.

ولذلك بنى مفهومه للثقافة على أربعة عناصر رئيسة: الأخلاق والذوق الجمالي والمنطق العملي والصناعة أو المهارة التطبيقية.

فالأخلاق تحفظ تماسك المجتمع وتبني الثقة بين أفراده والذوق الجمالي ينعكس على نظافة المدن وجمال المرافق وحسن التنظيم ورقي السلوك. والمنطق العملي يحول المعرفة إلى إنجاز ويجعل الإنسان يفكر ليعمل لا ليكثر من الكلام أما الصناعة فهي التي تنقل الأفكار من عالم التصور إلى عالم الواقع

وكان يرى أن غياب أحد هذه العناصر ينعكس سلباً على المجتمع كله فالمعرفة بلا أخلاق قد تتحول إلى أداة ضرر والأخلاق بلا عمل تبقى شعارات جميلة والعمل بلا علم يفقد أثره واستمراره

ومن الأفكار المهمة التي كررها في كتبه حديثه عن عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء. فالمجتمعات المتقدمة تعطي للفكرة قيمتها بينما تنشغل المجتمعات المتأخرة غالباً بالأشخاص أو بالمظاهر والأشياء ولهذا كثيراً ما تتحول النقاشات فيها إلى خلافات حول الأسماء والأفراد بينما تتراجع الأفكار والمشروعات الكبرى إلى الخلف

كما ميّز بين الأفكار الحية والأفكار الميتة فالأفكار الحية هي التي تدفع المجتمع إلى الحركة والعمل والإبداع أما الأفكار الميتة فهي التي فقدت قدرتها على التأثير وبقيت مجرد عبارات تردد دون أن تتحول إلى واقع

وكان يحذر كذلك من الأفكار القاتلة التي تُستورد من بيئات أخرى دون فهم أو تمحيص فتدخل المجتمع فتحدث فيه اضطراباً وتشوهاً فكرياً وثقافياً ولذلك لم يكن يدعو إلى الانغلاق كما لم يكن يدعو إلى الذوبان في الآخر بل كان يدعو إلى التعامل الواعي مع تجارب الأمم فنأخذ منها ما ينفعنا دون أن نفقد هويتنا أو خصوصيتنا

وإذا تأملنا واقعنا اليوم وجدنا أن كثيراً من الأسئلة التي طرحها مالك بن نبي ما زالت حاضرة فما زلنا نتحدث عن التنمية ونناقش التعليم ونسعى إلى بناء الإنسان ونتساءل عن أسباب ضعف الإنتاجية ونبحث عن وسائل تعزيز الوعي والمسؤولية والانتماء

ولهذا لم يفقد فكر مالك بن نبي قيمته بمرور الزمن لأنه لم يكن يعالج مشكلة عابرة أو حدثاً مؤقتاً بل كان يتناول قوانين عامة تحكم صعود الأمم وهبوطها وقد أدرك أن النهضة الحقيقية لا تبدأ من المباني ولا من الشعارات بل تبدأ من الإنسان حين يؤمن برسالته ويحسن استثمار وقته ويوجه طاقاته نحو العمل والبناء

لقد أراد مالك بن نبي أن ينقل الأمة من مرحلة الانشغال بنتائج التخلف إلى مرحلة البحث عن أسبابه ومن ثقافة التبرير إلى ثقافة المسؤولية ومن انتظار الحلول الجاهزة إلى صناعة الحلول ولهذا بقي اسمه حاضراً في كل حديث جاد عن النهضة والحضارة وبقيت أفكاره تذكرنا بأن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ من الخارج بل يبدأ من داخل الإنسان نفسه.

 

بواسطة
محمد عمر المرحبي
المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى