
ليس من السهل أن تُقام تظاهرة سينمائية دولية في قلب الصحراء. الأمر يشبه تماماً محاولة نصب شاشة عرض في مواجهة الريح، أو بناء منصة إبداع فوق كثبان متحركة. غير أن تيميمون اختارت المغامرة، وها هي اليوم تؤكد أنّ المغامرة لم تكن مجرد خطوة جريئة، بل رهاناً ناجحاً يستحق التصفيق.
لقد أثبتت هذه الدورة أنّ المدينة ليست مجرد فضاء للاستقبال، بل جزء من عناصر التكوين السينمائي للمهرجان. العمارة الطينية الحمراء، حركة الضوء عند الغروب، إيقاع الخطى في الأزقة القديمة، انفتاح الصحراء اللامحدود… كلها تحوّلت إلى ديكور طبيعي يمنح المهرجان خصوصيته البصرية، ويضفي على التجربة بعداً فنياً لا يمكن افتعاله في أي مكان آخر.
ما يحدث في تيميمون هذه الأيام تجربة سينمائية كاملة: جمهور يملأ الفضاءات بشغفٍ نادر، وجمعيات محلية تصنع المشهد من خلف الكواليس، وضيوف من مختلف الجنسيات ينبهرون كل لحظة بهذا التلاحم بين الفنّ والهوية. الضيافة هنا ليست مجاملة؛ إنها جزء من اللغة التي يتكلم بها المكان، لغة دافئة، صادقة، تُشعر كل زائر بأنه ممثل رئيسي في هذا الفيلم الجماعي الكبير.
وهذا التفاعل البشري الهائل يمنح المهرجان طاقته الخاصة. فليس هناك ما هو أصدق في السينما من حضور جمهور يأتي بإرادته، لا ببطاقة دعوة. جمهور يبحث عن قصة، وعن معنى، وعن تلك اللحظة التي ينطفئ فيها الضوء لتبدأ الحكاية. والحكاية في تيميمون تُروى اليوم من قلب المدينة… ومن قلب ناسها.
لقد برهنت تيميمون أنّ المدن ليست فقط طرقات ومبانٍ، بل مخيلة جماعية، وأن السينما حين تلتقي بروح المكان، يتحوّل المهرجان إلى إعلان حبّ، إلى لوحة حيّة، إلى رسالة تقول إن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة للحياة.
إنّ ما يكتبه أهل تيميمون اليوم، بجهدهم وتطوعهم وحماسهم، ليس فصلاً عابراً في تاريخ المهرجان، بل هو بداية ولادة مدينة سينمائية واعدة. مدينة قادرة على أن تصنع صورتها وتكرّس حضورها في المشهد الثقافي الوطني والدولي.
تحية كبيرة لكل من آمن بأن الصحراء ليست فراغاً، بل فضاءً للإبداع.
وتحية أعمق لمواطني تيميمون الذين جعلوا من مدينتهم شاشة تتّسع للجميع، وبصمة مضيئة في ذاكرة السينما الجزائرية.





