
في أمسية كروية كان ينتظرها الشارع الرياضي الجزائري بشغف، خرج ماميلودي صانداونز الجنوب إفريقي منتصراً أداءً قبل أن يكون نتيجة، بعدما فرض منطقه الكروي على مولودية الجزائر داخل الديار، في مباراة كشفت الفارق الشاسع بين كرة قائمة على التخطيط والتكوين، وأخرى مازالت تبحث عن هويتها رغم الإمكانيات المتوفرة.
منذ الدقائق الأولى ظهر جليّاً أن الفريق الجنوب إفريقي لم يأتِ للسياحة، بل جاء ليقدّم درساً آخر في كيفية فرض أسلوب اللعب خارج ملعبك. صانداونز استحوذ، غيّر النسق متى شاء، وتلاعب بإيقاع المباراة دون أن يتأثر بعامل الجمهور أو الأرض. فريق منضبط تكتيكياً، متحكم في المساحات، وواعٍ تماماً بما يريد.
في المقابل، بدا لاعبو مولودية الجزائر وكأنهم يواجهون خصماً “غير بشري”، حيث لعبوا بحذر شديد وتراجع مفرط، معتمدين على سد المنافذ وانتظار خطأ من المنافس قد يغيّر مجرى اللقاء. مدرب المولودية، العارف جيداً بإمكانات فريقه السابق صانداونز، اختار التحفظ كأسلوب إنقاذ، لكنه وجد نفسه أمام لاعبين غير قادرين حتى على الضغط على حامل الكرة.
اللافت أن حارس مرمى صانداونز قضى معظم فترات المباراة مرتاحاً، يتعامل مع الكرة دون ضغط، في صورة عكست حجم الخوف والتردد في أداء المولودية.
لكن الحقيقة المرة تتجاوز حدود مباراة واحدة. فصانداونز لم يكشف ضعف المولودية فقط، بل عرّى مكامن الخلل في التكوين الجزائري، وفي عقلية الأندية، وفي تسيير منظومة كرة القدم التي مازالت تعتمد على “ملء الكراسي” بدل التخطيط طويل المدى.
رغم توفر الملاعب الجديدة، ورغم الأموال، ورغم الظروف الجيدة التي يحسدنا عليها القريب قبل البعيد… إلا أن المشروع الكروي مازال غائباً، والرؤية غائمة، والأندية عاجزة عن مجاراة الكرة الحديثة.
الكرة الجزائرية تحتاج إلى إعادة بناء من الصفر، لأن الاستمرار في هذا الطريق الخاطئ لن يزيدها إلا تراجعاً، ولن يزيد الفارق مع مدارس مثل صانداونز إلا اتساعاً.





