
الندوة الوطنية حول الادخار: نحو ترسيخ ثقافة الوعي الادخاري وتعزيز الشمول المالي في الجزائر
مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة تدعو إلى تعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج وخلق الثروة ومناصب الشغل
نظمت مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنين، الندوة الوطنية حول الادخار، الموسومة بعنوان: «متطلبات إرساء ثقافة الوعي الادخاري في المجتمع الجزائري: دور البنوك في تحفيز الادخار وتعزيز الشمول المالي»، وذلك بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والخبراء الماليين وممثلي المؤسسات البنكية، في إطار فضاء علمي وحواري هدف إلى تشخيص واقع السلوك الادخاري في الجزائر، ومناقشة سبل تطوير المنظومة المصرفية وتعزيز مساهمتها في تعبئة الموارد المالية وتوجيهها نحو التنمية الاقتصادية.
وشكلت الندوة مناسبة لتبادل الرؤى والخبرات حول أهمية الانتقال من الادخار التقليدي إلى ثقافة مالية منظمة ومستدامة، تقوم على تعزيز الثقة في المؤسسات البنكية، وتطوير المنتجات المصرفية، وتوسيع قاعدة الشمول المالي، بما يسمح باستقطاب المدخرات وتوظيفها في تمويل المشاريع المنتجة.
مداخلات علمية وخبرات مصرفية متنوعة
عرفت أشغال الندوة تقديم مجموعة من المداخلات المتخصصة التي تناولت مختلف أبعاد الثقافة الادخارية والشمول المالي.
وفي هذا الإطار، قدم الدكتور علي محمد بورويبة، مدير الابتكار وتطوير المنتجات ببنك السلام الجزائر، مداخلة تناول فيها دور الابتكار وتطوير المنتجات البنكية في الاستجابة لاحتياجات الزبائن، وتحفيزهم على اعتماد سلوك ادخاري منتظم، من خلال توفير خدمات مصرفية عصرية ومرنة تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
كما قدم الخبير المالي بوعلام جبار مداخلة بعنوان: «استراتيجية المنظومة المصرفية في تعزيز ودعم الشمول المالي»، تطرق فيها إلى أهمية تطوير الأداء المصرفي وتوسيع نطاق الخدمات البنكية، وتعزيز قدرة البنوك على استقطاب المدخرات وإدماج مختلف الفئات في المنظومة المالية الرسمية.
ومن جانبه، تناول البروفيسور علي حدو موضوع: «التحيزات السلوكية وأثرها على قرارات الادخار في الجزائر: أي دور للبنوك في تحفيز السلوك الادخاري؟»، حيث سلط الضوء على تأثير العوامل النفسية والسلوكية والاجتماعية في القرارات المالية للأفراد والأسر، وأهمية توظيف أدوات المالية السلوكية في تصميم منتجات ادخارية أكثر ملاءمة لخصوصية المجتمع الجزائري.
كما قدمت السيدة فريدة بن بوزيد، نائب مدير جهوي مكلفة بالتنشيط التجاري ببنك الفلاحة والتنمية الريفية، مداخلة بعنوان: «آليات تشجيع الادخار ودور البنوك في تعبئة الموارد المالية ودعم التنمية الاقتصادية»، استعرضت من خلالها دور المؤسسات البنكية في ترسيخ الثقافة الادخارية، وتطوير آليات استقطاب المدخرات وتوجيهها لخدمة الاستثمار والتنمية.
وشهدت الندوة كذلك مساهمة البروفيسور سليمان ناصر، من جامعة قاصدي مرباح بورقلة، الذي تقدم بكلمة إثرائية تناول فيها موضوع: «كيف ينجح الادخار البنكي في الجزائر؟»، مقدماً رؤى إضافية حول متطلبات تطوير الادخار البنكي وتعزيز جاذبيته لدى المواطنين.
توصيات عملية لتعزيز ثقافة الادخار والشمول المالي
وعقب النقاشات والمداخلات العلمية، خلصت الندوة إلى جملة من التوصيات والمقترحات الرامية إلى تطوير ثقافة الادخار وتحسين أداء المنظومة المصرفية، مع التأكيد على أن الشمول المالي الناجح لا يقتصر على تعبئة المدخرات فحسب، بل يقتضي كذلك حسن توجيهها نحو الاستثمارات المنتجة والمفيدة للاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، شدد المشاركون على ضرورة:
تعزيز الوعي الادخاري: تكثيف جهود التوعية بأهمية الادخار والتعامل مع البنوك، وتشجيع المواطنين على اعتماد سلوك مالي منتظم يتناسب مع إمكانياتهم وقدراتهم.
تطوير المنتجات المصرفية: تحسين جودة الخدمات البنكية وتوفير منتجات ادخارية مبتكرة ومرنة، بما يعزز ثقة الزبائن ويستجيب لاحتياجاتهم المختلفة.
تكييف المنتجات مع خصوصية المجتمع الجزائري: إطلاق منتجات ادخار مرتبطة بأهداف واحتياجات اجتماعية وثقافية، مثل الحج والعمرة والأضحية والدخول المدرسي والسكن، بما يجعل الادخار أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للأسر.
اعتماد آليات الادخار المنتظم: تشجيع الاقتطاع التلقائي من الأجور كخيار افتراضي قابل للانسحاب، بما يساعد على ترسيخ السلوك الادخاري المنتظم.
إدماج المالية السلوكية: إنشاء وحدات متخصصة في التصميم السلوكي داخل مديريات التسويق وتطوير المنتجات البنكية، لاختبار الحلول الادخارية ميدانياً قبل تعميمها.
توجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج: تركيز الجهود على تعبئة الموارد المالية وتوجيهها نحو المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، والمدرة للقيمة المضافة، والقادرة على خلق مناصب شغل، لاسيما لفائدة الشباب خريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني بمختلف تخصصاتها.
تحسين التنسيق بين البنوك والهيئات الاقتصادية: تحديد احتياجات التمويل في القطاعات ذات الأولوية، وتوجيه التمويلات نحو المشاريع المنتجة مع مراعاة القدرة على السداد والتحكم في المخاطر.
مرافقة المؤسسات الصغيرة: تعزيز آليات المرافقة والتمويل للمؤسسات الصغيرة، خاصة تلك التي تساهم في الإنتاج المحلي وخلق الثروة ومناصب الشغل.
مرافقة التسوية الطوعية للأموال غير المصرح بها: اعتماد خطاب تواصلي يطمئن المواطنين ويشجعهم على إدماج أموالهم في الدورة الاقتصادية الرسمية، بعيداً عن أساليب التخويف والتهديد.
إعداد مسح وطني للسلوك الادخاري: إطلاق دراسات دورية حول أنماط الادخار لدى الأسر الجزائرية، لتوفير بيانات دقيقة تساعد على بناء سياسات مالية ومصرفية قائمة على الأدلة.
تعزيز دور الجامعة والبحث العلمي: تشجيع التجارب الميدانية بالشراكة مع البنوك لقياس أثر أدوات التحفيز السلوكي في السياق الجزائري، وإدراج التربية المالية والسلوكية ضمن برامج التكوين الجامعي.
الادخار مسؤولية مشتركة ورهان للتنمية الاقتصادية
وأكدت الندوة أن بناء ثقافة ادخارية مستدامة مسؤولية مشتركة بين المواطن والمؤسسات البنكية والسلطات العمومية والجامعة ومختلف الفاعلين الاقتصاديين، وأن نجاحها يرتبط بمدى قدرة المنظومة المصرفية على فهم احتياجات المواطن الجزائري وتطوير حلول مالية تستجيب لواقعه وإمكاناته وتطلعاته.
كما شدد المشاركون على أن تعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو المشاريع المنتجة يمثلان رافداً أساسياً لدعم الاستثمار، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز الإنتاج المحلي، وخلق فرص العمل، لاسيما لفائدة الكفاءات الشابة.
وفي ختام أشغالها، أكدت مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة أن هذه التوصيات تظل مفتوحة للإثراء من طرف الأساتذة والخبراء والمؤسسات البنكية والهيئات المعنية، تمهيداً لصياغتها في وثيقة مرجعية وتوجيهها إلى الجهات المختصة للاستفادة منها في تطوير السياسات والبرامج المرتبطة بالادخار والشمول المالي.
كما تعتزم المؤسسة إعداد كتيب خاص بالندوة يتضمن مختلف المداخلات العلمية والأوراق المقدمة والتوصيات المنبثقة عنها، ليكون مرجعاً علمياً وعملياً يساهم في مواصلة النقاش وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين.
وتجدد المؤسسة، من خلال هذه المبادرة، التزامها بدورها في اليقظة الاقتصادية واستشراف التحولات المالية، وبلورة المقترحات العملية الرامية إلى ترقية المواطنة الاقتصادية والمساهمة في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعاً واستدامة.
مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة
الادخار مسؤولية مشتركة… ومن تعبئة المدخرات إلى صناعة الاستثمار والتنمية.



