عرّاب الخراب ووريث الدماء: كيف نقل محمد بن زايد سموم الخيمة إلى جسد الأمة؟

قبل أن تصبح أبوظبي عاصمة لـ”دويلة” الإمارات، كانت رمال باديتها وخيامها البسيطة شاهدة على فصول من الدماء والغدر تفوق الخيال. في عشرينيات القرن العشرين، دخل أبناء أسرة آل نهيان في دوامة صراع وحشي على السلطة، التهمت ثلاثة حكام متعاقبين في لمح البصر.

في عام 1922، دُشن مسرح الدم حين قُتل الشيخ حمدان بن زايد (الأول) غدراً على يد شقيقه الشيخ سلطان بن زايد (الأول)، ليغتصب الأخير الحكم. لكن لعنة الدم لا ترحم؛ فلم يسلم سلطان نفسه من الكأس التي سقى منها أخاه، ليُقتل في عام 1926 على يد شقيقه الآخر، الشيخ صقر بن زايد (الأول)، الذي استولى بدوره على السلطة. ولم يهنأ صقر بحكمه المسروق طويلاً؛ ففي عام 1928 تم اغتياله على يد أبناء الشيخ سلطان، لتُطوى الصفحة الأولى من سجل التصفيات العائلية، ويعتلي الشيخ شخبوط بن سلطان سدة الحكم.

جلس شخبوط على مقعد يقطر دماً، وكان طيف الاغتيالات يطارد لياليه؛ مما جعله حاكماً يتوجس من ظله، يحتمي داخل خيمته، قابضاً على مقاليد السلطة بيد من حديد. ثم انشقت رمال الصحراء عن لعنة جديدة: النفط. تدفق “الذهب الأسود” ليقلب الموازين، وبدلاً من أن يكون نعمة، أصبح فتيل قنبلة موقوتة داخل مضارب الأسرة.

شخبوط، المسكون بهاجس المؤامرات، أغلق خزائنه ورفض تبديد الأموال، بينما كانت عينا شقيقه “زايد” تلمعان بطموح من نوع آخر؛ طموح لم يعتمد على سيف القبيلة، بل على شراء الولاءات وتقديم قرابين الطاعة لبريطانيا و(الكيان الأزرق).

في تلك الأثناء، كانت أعين لندن الاستعمارية تراقب المشهد في صمت متآمر. أدركت بريطانيا، الممسكة بخيوط اللعبة في الخليج، أن عقلية شخبوط البدوية العتيقة وحذره الشديد أصبحا حجر عثرة يهدد مصالحها ومصالح الكيان، فقررت إزاحته.

بعيداً عن مضارب الخيام، وفي غرف السياسة المظلمة، تولى المندوب البريطاني “ويليام لوس” ومعاونه “هيو بوستيد” هندسة الانقلاب. لم تكن الخطة تحتاج لجيوش أجنبية، بل كانت تحتاج إلى طعنة من الداخل. وبخبث شديد، نسج البريطانيون خيوط المؤامرة، واستطاعوا تسميم عقول الأسرة الحاكمة ضد عميدها. ولم يكن عليهم البحث طويلاً عن منفذ؛ فقد كان زايد، المندفع بشغف نحو السلطة، هو الخنجر الجاهز، والبديل الوفي، والخادم المطيع الذي سيسلمهم مفاتيح وخزائن الإمارة طواعية. وقد تم هذا التحرك بدعم وتوجيه من سياسيين بريطانيين عُرفوا بولائهم المطلق “للكيان” وعلى رأسهم رئيس الوزراء “هارولد ويلسون”.

سقوط شخبوط ولعنة السم

في 6 أوت 1966، دقت ساعة الصفر. تحركت القوات لتطويق الحصن البسيط الذي يقيم فيه الشيخ شخبوط في أبوظبي، في مشهد مهين انتهى بمحاصرته وعزله، وإجباره على التنازل عن الحكم لصالح شقيقه زايد. وهكذا، بعد قرابة أربعة عقود من الحكم، أُخرج شخبوط من خيمته مطروداً ومنفياً.

لكن حكم زايد الجديد كان يحتاج إلى المزيد من التضحيات ليثبت. البداية كانت بأبناء شخبوط المعزول

توفي أبناء الشيخ شخبوط (سعيد وسلطان) في سن مبكرة جداً ، في ظروف تثير الرعب والشك. فتوقيت الموت لم يكن صدفة أبداً إذ سقط سعيد صريعاً في إيران عام 1967، بعد أشهر قليلة فقط من الانقلاب على والده. ولحق به شقيقه سلطان عام 1969.

تشير المعطيات العلمية الصادمة إلى استخدام احد أسلحة الاغتيالات الصامتة، سم “الثاليوم” (المادة المفضلة للاغتيالات السياسية التراكمية في الستينيات) أو “الباراكوات” (وهي مادة كيميائية تقتل بصمت وتدمر الرئتين ببطء خبيث). فارق سعيد الحياة سريعاً في ظروف كارثية في إيران اين تقيمين العائلة المنفية ، بينما أسهمت الرعاية الطبية الفائقة التي تلقاها سلطان في ألمانيا في تقوية مناعته مؤقتاً، فاستطاع تحمل أثر السم لثلاث سنوات قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. هكذا تم محو أبناء شخبوط بدم بارد، لضمان ألا يطالبا يوماً بحق والدهما المسلوب.

ولإحكام قبضته المطلقة، ولضمان توريث الحكم لأبنائه حصراً، واصل زايد تصفية الحسابات داخل العائلة، فتخلص من شقيقيه: الشيخ هزاع بن سلطان (عام 1958) والشيخ خالد بن سلطان (عام 1977).في ظروف جد غامضة بذلك يكون قد تفوق زايد على أعمامه و والده في الوحشية و سفك الدماء، وفرش سجاداً أحمر من الجثث لابنه محمد بن زايد، ليغرس فيه منذ نعومة أظافره أبشع مبادئ الخبث، المكر، الغدر و النذالة.

لم تتوقف هواية الدماء داخل حدود الخيمة، بل تضخمت وتمددت لتتجاوز جغرافيا “الدويلة” وتضرب في عمق الأمة. فوريث هذا السجل الدموي، محمد بن زايد، لم يكتفِ بما شربه من مبادئ تصفية الخصوم داخلياً بعد أن ورث سلطة خالية من المنافسين، بل صدّر سياسة الغدر والخيانة لتدمير الأوطان المجاورة والبعيدة.

فهو المهندس الأول لحصار قطر الجائر، حين طعن جيرانه وأشقاءه في الظهر وحاول خنقهم بكل خساسة ، وهو الممول الأكبر لميليشيات المرتزقة التي تمزق اليوم جسد السودان، وتنهب ثرواته، وتزهق أرواح الأبرياء في شوارعه. ولم تسلم من خناجره المسمومة دول مثل ليبيا، واليمن، ومناطق أخرى في إفريقيا والوطن العربي، حيث تكفل بنشر الفوضى وتمزيق النسيج الإسلامي إرضاءً لأسياده وتنفيذاً لأجنداتهم.

إن من نشأ على مشهد الخناجر المغروزة في ظهور الأقرباء وصوت الاغتيالات في عتمة الخيام، لا يمكنه أن يقدم للعالم سوى الخراب. وأمام هذه المسيرة الممتدة من الخيمة الملطخة بالدماء إلى غرف المؤامرات الدولية

ومن خلال هذا يتبين بوضوح أن قرار الجزائر بقطع علاقاتها وبتر أواصرها مع هذه الدويلة لم يكن مجرد موقف سياسي، بل هو الرد التاريخي والمنطقي على كيان يعتاش على الخيانة، ولا يتقن سوى صناعة الموت؛ دويلة بُنيت أسسها الأولى على جثث الأهل، ويتوسع نفوذها اليوم على أشلاء الشعوب.

 

بقلم شخاب نبيل عبد النور

المزيد

وطنية نيوز

قناة وطنية نيوز، إخبارية رقمية تابعة لمجمع وطنية ميديا الإعلامي، تهتم بالأخبار الوطنية.
زر الذهاب إلى الأعلى